في خطوة ذات دلالات سياسية واضحة، زار وفد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني (SPD) زعيم المعارضة التركية المنتخب أوزغور أوزيل في أنقرة، في رسالة دعم علنية عقب قرار قضائي أثار جدلًا واسعًا وأدى إلى إبعاده من رئاسة حزب الشعب الجمهوري (CHP) وإعادة سلفه كمال كليجدار أوغلو إلى الواجهة.
زيارة تضامن في توقيت حساس
اللقاء جرى داخل مبنى البرلمان التركي، حيث يستمر أوزيل في ممارسة نشاطه السياسي بعد أن فقد السيطرة على المقر المركزي للحزب. ووصف أوزيل الزيارة بأنها تعبير عن تضامن “حزب شقيق” في لحظة استثنائية تمر بها المعارضة، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تشهد تطورات غير مسبوقة في الحياة السياسية التركية.
الوفد الألماني ضم شخصيات بارزة، من بينها نائب رئيس الحزب ألكسندر شفايتر، ونائبة رئيس البرلمان الأوروبي كاترينا بارلي، والنائب الألماني من أصل تركي سردار يوكسل، ورئيس منظمة الشبيبة الاشتراكية في ألمانيا فيليب تورمر، وعضو البرلمان الأوروبي توبياس كريمر، إضافة إلى ممثلين عن مؤسسة فريدريش إيبرت. كما نقل الوفد رسالة دعم من نائب المستشار ووزير المالية الألماني لارس كلينغبايل.
رسائل أوروبية: الديمقراطية لا تُدار عبر المحاكم
خلال اللقاء، شدد شفايتر على عمق العلاقات الألمانية-التركية، مشيرًا إلى أن هذه الروابط تتجاوز الحكومات لتشمل المجتمع، خصوصًا في ظل وجود جالية تركية كبيرة في ألمانيا. وأكد أن أوروبا بحاجة إلى “تركيا قوية”، لكن هذه القوة—بحسب تعبيره—لا يمكن أن تتحقق دون ترسيخ سيادة القانون.
كما عبّر عن قلق متزايد إزاء التطورات السياسية في تركيا، موضحًا أن المخاوف لم تتبدد بعد اللقاء، بل ازدادت حدّة. ولفت إلى أن مسألة قيادة حزب الشعب الجمهوري يجب أن تُحسم داخل أطره التنظيمية، عبر أعضائه ومندوبه، وليس عبر قرارات قضائية.
خلفية الأزمة: قرار قضائي يعيد رسم قيادة الحزب
الأزمة تعود إلى قرار صادر عن الدائرة المدنية السادسة والثلاثين في محكمة الاستئناف الإقليمية بأنقرة، قضى بإلغاء المؤتمر العام الثامن والثلاثين للحزب الذي عُقد في نوفمبر 2023، والذي شهد فوز أوزيل على كليجدار أوغلو.
المحكمة اعتبرت أن المؤتمر شابه خلل قانوني، وأمرت بإعادة القيادة السابقة كإجراء مؤقت، ما فتح الباب أمام واحدة من أعمق الأزمات التنظيمية في تاريخ الحزب. وبموجب القرار، استعاد فريق كليجدار أوغلو السيطرة على المقر الرئيسي، بينما اضطر أوزيل إلى إدارة نشاطه من مكتبه البرلماني.
رفض داخلي وتصعيد قانوني
قيادة حزب الشعب الجمهوري رفضت الاعتراف بالحكم، ووصفت القرار بأنه غير قانوني، وقدّمت طعونًا أمام الجهات القضائية والهيئات الانتخابية. كما اعتبرت أن الاتهامات التي بُني عليها القرار—ومنها مزاعم شراء أصوات والتلاعب بنتائج المؤتمر—تفتقر إلى الأدلة وتشكل جزءًا من حملة أوسع لإضعاف الحزب.
ضغوط متزايدة على المعارضة
تأتي هذه الأزمة في سياق تصاعد الضغوط السياسية والقضائية على الحزب، خاصة بعد تحقيقه مكاسب لافتة في الانتخابات المحلية لعام 2024. وتشير المعطيات إلى توقيف أو احتجاز أكثر من عشرين رئيس بلدية تابع للحزب، إضافة إلى مئات المسؤولين المحليين، في تحقيقات تقول المعارضة إنها ذات دوافع سياسية.
أوزيل وقيادة الحزب يوجهان اتهامات مباشرة للحكومة باستخدام القضاء كأداة للضغط على المعارضة وتقويضها قبل الانتخابات العامة المقررة في 2028، بينما تنفي الحكومة هذه الاتهامات وتؤكد استقلالية القضاء.
ردود فعل دولية وتحذيرات أوروبية
القرار القضائي أثار ردود فعل دولية لافتة، حيث حذرت جهات أوروبية من تداعياته على التعددية السياسية. المتحدثة باسم السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أنيتا هيبر، شددت على ضرورة عدم استخدام الإجراءات القانونية والإدارية لتقييد عمل أحزاب المعارضة أو إعاقتها عن المشاركة السياسية على قدم المساواة.
كما انتقد وزير الخارجية الألماني يوهان فادهفول القرار، معتبرًا أنه يتعارض مع مساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومؤكدًا أن التنافس السياسي في الأنظمة الديمقراطية يجب أن يُحسم عبر صناديق الاقتراع لا عبر المحاكم.
أبعاد سياسية أوسع
تعكس هذه الأزمة تداخلاً متزايدًا بين القضاء والسياسة في تركيا، وتطرح تساؤلات حول حدود استقلال المؤسسات. كما أن التدخلات الدولية، خاصة من شركاء أوروبيين تقليديين، تشير إلى أن الملف لم يعد شأنًا داخليًا بحتًا، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل الديمقراطية التركية وعلاقاتها مع الغرب.
في الوقت ذاته، قد تسهم هذه الأزمة في إعادة تشكيل موازين القوى داخل المعارضة نفسها، سواء عبر تعميق الانقسامات أو دفعها نحو إعادة تنظيم صفوفها استعدادًا للاستحقاقات المقبلة.
خلاصة
زيارة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني تعكس قلقًا أوروبيًا متصاعدًا من تدخل القضاء في الحياة الحزبية التركية. الأزمة داخل حزب الشعب الجمهوري تمثل اختبارًا حاسمًا لمستقبل التعددية السياسية قبيل انتخابات 2028.

