في كلمة ألقاها خلال “القمة العالمية الثالثة للاقتصاد الإسلامي” المنعقدة في مركز إسطنبول المالي، وجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انتقادات حادة للنظام الاقتصادي العالمي القائم على الفائدة، مؤكدًا أن هذا النموذج يتعارض مع مبادئ العدالة والأخلاق والاستدامة التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي.
رفض صريح للاقتصاد القائم على الفائدة
أردوغان شدد في خطابه على أن الفائدة تُعد عاملًا مفسدًا للتوازن الاقتصادي والاجتماعي، معتبرًا أن “حيثما وُجدت الفائدة، تغيب البركة”. وربط بين انتشار الفائدة وبين مظاهر الاستغلال واللاعدالة والمنافسة غير الأخلاقية، مشيرًا إلى أن الاقتصار على تعظيم الأرباح وإهمال العدالة الاجتماعية يؤدي إلى اختلال عميق في بنية الاقتصاد.
كما دعا إلى إعادة تقييم النظام الاقتصادي العالمي وفق معايير تضع العدالة والرفاه الاجتماعي في مركز الاهتمام، بدلًا من التركيز الضيق على النمو الكمي.
الاقتصاد الإسلامي كبديل معياري
في طرحه، قدّم أردوغان الاقتصاد الإسلامي باعتباره نموذجًا قائمًا على تقاسم المخاطر، والالتزام الأخلاقي، وتحقيق التوازن بين النمو والعدالة. وأوضح أن هذا النموذج لا ينفصل عن القيم الاجتماعية، بل يسعى إلى تحقيق رفاه شامل ومستدام.
وفي سياق حديثه عن مفهوم “البركة”، استشهد بتعريف يرتبط بالإرث الفكري لنجم الدين أربكان، مفاده أن القيمة الحقيقية للكسب لا تُقاس بالحجم المادي فقط، بل بمشروعيته وأثره الأخلاقي، معتبرًا أن دخلًا مشروعًا أقل قيمة اسمية قد يكون أكثر نفعًا من دخل أكبر مشوب بمخالفات.
مفارقة بين الخطاب والممارسة المالية
رغم هذا الخطاب الناقد للفائدة، تكشف بيانات الموازنة العامة التركية عن تصاعد غير مسبوق في مدفوعات الفائدة خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس ضغوطًا مالية متزايدة على الاقتصاد.
فقد ارتفعت مدفوعات الفائدة من نحو 133.9 مليار ليرة في عام 2020 إلى أكثر من 2 تريليون ليرة في عام 2025، مع تخصيص ما يقارب 2.74 تريليون ليرة للعام الجاري، وهو أعلى مستوى يُسجل في تاريخ الجمهورية التركية.
هذا الارتفاع الحاد يرتبط بعدة عوامل، من بينها زيادة الاقتراض الحكومي، وارتفاع تكاليف التمويل، وتداعيات السياسات النقدية السابقة، فضلًا عن تأثيرات التضخم وتقلبات سعر الصرف.
سياق اقتصادي أوسع
تأتي هذه التصريحات في وقت تسعى فيه تركيا إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار المالي ومقتضيات النمو، في ظل استمرار معدلات تضخم مرتفعة نسبيًا، واعتماد متزايد على أدوات مالية تقليدية، بما في ذلك أسعار الفائدة المرتفعة لكبح الضغوط التضخمية.
كما تعكس هذه الازدواجية—بين خطاب نقدي للفائدة وواقع مالي يعتمد عليها—التحديات التي تواجهها الاقتصادات الناشئة عند محاولة التوفيق بين رؤى اقتصادية بديلة ومتطلبات النظام المالي العالمي.
دلالات
يثير هذا التباين بين الموقف المعلن والممارسة الفعلية تساؤلات حول حدود تطبيق نماذج الاقتصاد الإسلامي في بيئة مالية عالمية مترابطة. فبينما يوفر الخطاب إطارًا قيميًا جاذبًا، تفرض الوقائع الاقتصادية قيودًا عملية تجعل من الصعب الاستغناء الكامل عن أدوات الفائدة في المدى القصير.
في المقابل، قد يُفهم هذا الطرح كجزء من محاولة لإعادة صياغة النقاش الاقتصادي محليًا ودوليًا، خصوصًا في ظل بحث متزايد عن نماذج أكثر عدالة واستدامة بعد الأزمات المالية العالمية المتكررة.
خلاصة
أردوغان يهاجم النظام القائم على الفائدة ويدعو إلى بديل أخلاقي مستند إلى الاقتصاد الإسلامي. لكن الواقع المالي في تركيا يكشف عن تصاعد قياسي في مدفوعات الفائدة، ما يعكس فجوة بين الخطاب والتطبيق.

