تشير القراءات التحليلية الصادرة عن قيادات سابقة في حزب العدالة والتنمية، وتحديداً ما طرحه “مجاهد برينجي” عضو اللجنة المركزية لاتخاذ القرار والترفيع السابق، إلى حالة من الاستشراف القلق لمستقبل الخارطة السياسية في تركيا.
ينطلق هذا الطرح من فرضية تاريخية مفادها أن السلطات السياسية قد تصاب أحياناً بحالة من “عدم القدرة على رؤية المخاطر” المحدقة بها، وهو ما أدى تاريخياً إلى انهيار إمبراطوريات ودول كبرى. فبينما يعتقد البعض أن القصة السياسية لخصم ما قد انتهت، قد يكون الواقع أن هناك من يعيد كتابة فصول جديدة لتلك القصة في الخفاء.
ديناميكيات المعارضة ومخاطر الاستهداف القضائي
تبرز أسماء مثل “منصور يافاش”، رئيس بلدية أنقرة، و”علي باباجان”، رئيس حزب الديمقراطية والتقدم “دواء”، كأرقام صعبة في أي معادلة انتخابية قادمة، حيث يرى برينجي أن ترشحهما قد يضع السلطة الحالية في مأزق حقيقي. وتتجاوز التحليلات مجرد الترشح لتصل إلى التحذير من مغبة اتخاذ إجراءات قانونية أو عمليات أمنية ضد رؤساء البلديات التابعين للمعارضة؛ إذ يُتوقع أن يؤدي احتجاز شخصية مثل يافاش إلى نتائج عكسية تماماً، متمثلة في قفزة نوعية في أصوات حزب الشعب الجمهوري لتتجاوز عتبة الأربعين بالمئة، مع تعزيز موقف “أكرم إمام أوغلو” انتخابياً. وفي حال ارتكاب مثل هذه الأخطاء الاستراتيجية، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية حصد المعارضة لنسبة تتراوح بين خمسين إلى خمسة وخمسين بالمئة من الأصوات حتى لو أجريت الانتخابات في موعدها الطبيعي عام ٢٠٢٨.
التحول الديموغرافي والدورة السياسية القادمة
يرتبط عامل الزمن بشكل وثيق بتطلعات جيل الشباب الذي يبدو أنه يميل نحو التغيير، مما ينذر بإزاحة الثقل السياسي من الجناح اليميني نحو الوسط واليسار لفترة قد تمتد لعقدين من الزمن. هذا التحول الجذري قد يبدأ بنسبة اكتساح تصل إلى ستين بالمئة، قبل أن يستقر تدريجياً في دورات انتخابية لاحقة. إن هذا الاستشراف يعكس إدراكاً لتبدل الهوية السياسية للناخب التركي الجديد الذي لم يعد يكتفي بالخطابات التقليدية.
خارطة الطريق: العودة إلى الجذور كسبيل للنجاة
لمواجهة هذا السيناريو القاتم، تبرز حاجة ملحة لتبني استراتيجية إصلاحية شاملة ترتكز على عدة ركائز جوهرية، بحسب الاسم الوازن في صفوف الحزب الحاكم مجاهد برينجي،
- إعادة إحياء القيم الديمقراطية: العودة الفورية إلى الأكواد التحررية والديمقراطية التي كانت ركيزة الانطلاق في عام ٢٠٠٢.
- تهدئة المناخ العام: العمل على خفض حدة التوتر السياسي في البلاد لإفساح المجال للحوار.
- الإنعاش الاقتصادي: التركيز المطلق على الملف الاقتصادي ومعالجة الأزمات المعيشية التي تؤرق المواطن.
- الإصلاح الهيكلي: إيجاد حلول جذرية وعاجلة لملفات العدالة والزراعة، كونهما يمثلان عماد الاستقرار الاجتماعي والغذائي.
دروس التاريخ وشبح انهيار عام ٢٠٠٢
تأتي هذه التحذيرات من مجاهد بيرينجي كدعوة لتجنب المصير الذي آلت إليه قيادات سياسية بارزة في الماضي، مثل “بولنت أجاويد”، “تانسو تشيلر”، و”مسعود يلماز”، الذين غادروا الساحة السياسية وكراسي الحكم في عام ٢٠٠٢ نتيجة تجاهل نبض الشارع والمتغيرات السياسية. إن الرسالة الضمنية هنا هي أن البقاء في السلطة ليس مضموناً ما لم يتم تدارك الأخطاء وتجديد العقد مع الناخب من خلال إصلاحات ملموسة وحقيقية، وفق بيرينجي.
سياق التصريحات
من المهم الإشارة إلى أن هذه التصريحات تأتي في سياق تزايد الضغوط الاقتصادية في الداخل التركي، وبعد نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة التي أظهرت تقدماً ملحوظاً للمعارضة، مما يعزز من مصداقية التحذيرات المتعلقة بتغير موازين القوى. كما أن النقاش حول “الأكواد الديمقراطية” يعكس صراعاً داخلياً بين الجناح الإصلاحي والجناح المحافظ داخل الحزب الحاكم حول كيفية التعامل مع ملفات الحريات والقضاء.
خلاصة القول
يتطلب المشهد السياسي التركي الحالي ثورة إصلاحية داخلية تعيد الاعتبار للمبادئ الديمقراطية والاقتصاد المنتظم لتفادي تكرار سيناريوهات الانهيار السياسي التاريخي. إن الاستماع لصوت الشباب ومعالجة ملفات العدالة والزراعة يمثلان طوق النجاة الأخير للحفاظ على التوازن السياسي ومنع انزياح السلطة الكامل نحو المعارضة.

