أثارت دعوة أطلقها الاقتصادي النمساوي والمدافع عن توسيع الاتحاد الأوروبي غونتر فيهلينغر-يان موجة واسعة من الانتقادات والجدل، بعدما دعا إلى انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2034، مستخدماً خطاباً اعتبره كثيرون في تركيا محمّلاً بإيحاءات تاريخية واستعلائية مرتبطة بفتح القسطنطينية عام 1453.
منشور مثير للجدل يربط بين 1453 و2034
في منشور نشره على منصة “إكس” بتاريخ 10 أيار/مايو، ربط فيهلينغر-يان بين تاريخ فتح القسطنطينية على يد الدولة العثمانية وبين مستقبل تركيا الأوروبي، قائلاً إن “29 أيار/مايو 1453 غيّر أوروبا إلى الأبد، أما 29 أيار/مايو 2034 فيمكن أن يوحّد أوروبا مجدداً”.
وأضاف في صياغة أثارت اعتراضات واسعة: “لقد خسرنا القسطنطينية عام 1453، ويمكننا استعادة تركيا لأوروبا عام 2034، لا بالحرب ولا بالإمبراطوريات، بل عبر الديمقراطية، وحلف الناتو، والتجارة، والازدهار، والوحدة الأوروبية”.
وأرفق منشوره بصورة دعائية تضمنت عبارات مثل: “لقد خسرناكِ عام 1453” و“سنستعيدكِ عام 2034”، إلى جانب صور لـآيا صوفيا وأفق إسطنبول والأعلام التركية والأوروبية ورموز حلف شمال الأطلسي، فضلاً عن شعارات من قبيل: “من القسطنطينية إلى إسطنبول” و“من تركيا إلى أوروبا”.
كما طرح فكرة تخصيص يوم 29 أيار/مايو كيوم أوروبي لـ”الذاكرة والمصالحة والتوسعة”، في إشارة مباشرة إلى تاريخ فتح المدينة على يد السلطان العثماني محمد الفاتح.
حساسية تاريخية تركية تجاه توصيف فتح إسطنبول
أثارت اللغة المستخدمة في المنشور غضباً واسعاً بين المستخدمين الأتراك، الذين رأوا أن الحديث عن فتح إسطنبول بوصفه “خسارة أوروبية” يعكس ذهنية تاريخية صدامية تتجاهل المكانة الرمزية للفتح في الوعي التركي.
واعتبر منتقدون أن استخدام اسم “القسطنطينية” بدلاً من إسطنبول، وربط عضوية تركيا الأوروبية بفكرة “الاستعادة”، يحمل إيحاءات انتقامية أو استعمارية أكثر من كونه خطاباً سياسياً تصالحياً.
وقال أحد المعلقين الأتراك إن فكرة التقارب مع أوروبا قد تكون إيجابية من حيث المبدأ، لكن الصياغة المستخدمة “منفّرة ومهينة”، لأنها توحي بأن أوروبا تنظر إلى تركيا كجغرافيا ضائعة ينبغي استعادتها، وليس كشريك سياسي مستقل.
كما أشار آخرون إلى أن الأجيال التركية الشابة باتت تميل بصورة متزايدة إلى تعريف هويتها الثقافية والسياسية بعيداً عن المركزية الأوروبية، خاصة بعد سنوات طويلة من تعثر مفاوضات الانضمام.
اعتراضات أوروبية ويونانية على فكرة العضوية التركية
الجدل لم يقتصر على الأتراك وحدهم، إذ عبّر عدد من المستخدمين الأوروبيين عن رفضهم لفكرة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، مستندين إلى اعتبارات ديموغرافية واقتصادية وثقافية.
وتحدث بعض المعلقين عن الفوارق الكبيرة في مستويات الدخل بين تركيا ودول الاتحاد، فيما ركز آخرون على الاختلافات الدينية والثقافية بوصفها عائقاً أمام الاندماج الكامل.
كما كتب أحد المستخدمين اليونانيين أن “لا فرصة إطلاقاً” لانضمام تركيا إلى الاتحاد، في انعكاس واضح لاستمرار التحفظات التاريخية والسياسية داخل بعض الدول الأوروبية، وخصوصاً اليونان وقبرص.
مسار تركي أوروبي متعثر منذ سنوات
تعود العلاقة الرسمية بين تركيا والاتحاد الأوروبي إلى عقود طويلة، إذ حصلت أنقرة على صفة دولة مرشحة للعضوية عام 1999، قبل أن تبدأ مفاوضات الانضمام رسمياً عام 2005.
لكن هذا المسار دخل في حالة جمود تدريجية بسبب مجموعة من الملفات المعقدة، أبرزها:
أزمة قبرص والخلافات شرق المتوسط
لا تزال قضية قبرص إحدى العقبات الرئيسية أمام تقدم المفاوضات، في ظل استمرار الانقسام في الجزيرة، والخلافات بين أنقرة وكل من اليونان وقبرص بشأن الحدود البحرية وملفات الطاقة في شرق المتوسط.
الانتقادات الأوروبية لملف الديمقراطية وحقوق الإنسان
شهدت السنوات الأخيرة تصاعد الانتقادات الأوروبية لتركيا على خلفية تراجع مؤشرات استقلال القضاء وحرية الإعلام وحقوق الإنسان، خاصة بعد حملة الاعتقالات الواسعة التي أعقبت محاولة الانقلاب عام 2016.
وفي عام 2018 أعلن الاتحاد الأوروبي عملياً تجميد مفاوضات الانضمام، معتبراً أن تركيا “تبتعد أكثر فأكثر عن الاتحاد”، وأنه لا يمكن فتح أو إغلاق أي فصول تفاوضية جديدة.
أردوغان: أوروبا لا تكتمل من دون تركيا
جاءت تصريحات فيهلينغر-يان بعد أيام قليلة من رسالة وجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمناسبة “يوم أوروبا”، شدد فيها على أن القارة الأوروبية ستبقى “ناقصة وضعيفة في إدارة الأزمات” من دون تركيا.
وأكد أردوغان أن بلاده تمثل جزءاً “أساسياً ولا غنى عنه” من مستقبل أوروبا، مشيراً إلى أن حاجة الاتحاد الأوروبي إلى تركيا باتت، بحسب وصفه، أكبر من حاجة أنقرة إلى الاتحاد.
وتعكس هذه التصريحات محاولة تركية لإعادة طرح أهمية البلاد الاستراتيجية في ظل التحولات الأمنية التي تشهدها أوروبا منذ الحرب الروسية الأوكرانية.
لماذا لا تزال أوروبا بحاجة إلى تركيا؟
رغم تعثر ملف العضوية، لا تزال المؤسسات الأوروبية تنظر إلى تركيا باعتبارها لاعباً محورياً في ملفات متعددة، منها:
الأمن والدفاع
تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش داخل حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، وتلعب دوراً حاسماً في أمن البحر الأسود والجناح الجنوبي للحلف.
الهجرة والطاقة
تحتفظ أنقرة بورقة مهمة في ملف الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، كما تمثل ممراً استراتيجياً لمشاريع نقل الطاقة بين آسيا وأوروبا.
الأزمات الإقليمية
تواصل تركيا لعب أدوار مؤثرة في ملفات أوكرانيا وسوريا والشرق الأوسط وشرق المتوسط، ما يجعل التعاون معها ضرورة جيوسياسية بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
فجوة الثقة بين أنقرة وبروكسل
ورغم المصالح المتبادلة، لا تزال فجوة الثقة السياسية عميقة بين الجانبين. فتركيا ترى أن الاتحاد الأوروبي مارس سياسة “المماطلة والمعايير المزدوجة” تجاه ملف عضويتها، بينما تعتبر عواصم أوروبية عديدة أن أنقرة ابتعدت عن المعايير الديمقراطية المطلوبة للانضمام.
ويعتقد مراقبون أن الحديث عن عضوية تركية كاملة بحلول 2034 يبقى أقرب إلى الطرح الرمزي أو السياسي منه إلى مشروع واقعي قابل للتحقق، خصوصاً في ظل المناخ الأوروبي الداخلي المتحفظ تجاه مزيد من التوسّع، وصعود التيارات اليمينية والقومية في عدة دول أوروبية.
خلاصة
أعاد الجدل الذي أثاره الاقتصادي النمساوي غونتر فيهلينغر-يان فتح النقاش القديم حول علاقة تركيا بأوروبا، لكنه كشف أيضاً حجم الحساسية التاريخية والسياسية التي ما تزال تحكم هذا الملف.
وبين الحاجة الأوروبية المتزايدة إلى الدور التركي، واستمرار الخلافات حول الديمقراطية والهوية والجغرافيا السياسية، يبقى مستقبل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي رهناً بتحولات أعمق داخل الطرفين.

