يمر حزب الشعب الجمهوري، الذي يمثل الركيزة الأساسية للمعارضة في تركيا، بمرحلة من الاضطراب التنظيمي والسياسي الحاد نتيجة لتدخل قضائي أثار الكثير من الجدل.
فقد أصدرت الغرفة المدنية السادسة والثلاثون بمحكمة العدل الإقليمية في أنقرة حكماً يقضي ببطلان المؤتمر العام العادي الثامن والثلاثين للحزب.
هذا المؤتمر، الذي عُقد في نوفمبر من عام ألفين وثلاثة وعشرين، كان قد شهد تحولاً قيادياً بارزاً بفوز أوزغور أوزيل برئاسة الحزب وإطاحته بالرئيس السابق كمال كليجدار أوغلو.
وجاء القرار القضائي ليعتبر أعمال هذا المؤتمر باطلة من الناحية القانونية، ملزماً الحزب بإعادة كليجدار أوغلو والهيئات الإدارية التي كانت قائمة تحت قيادته إلى مناصبهم السابقة فوراً، مما يعني إقصاء القيادة الحالية برئاسة أوزيل من الناحية القانونية.
قراءة في أرقام استطلاع الرأي العام وتوجهات الحاضنة الشعبية
رداً على هذا التحول، رصدت شركة “كوندا” (KONDA) المتخصصة في استطلاعات الرأي نبض الشارع التركي ومؤيدي المعارضة، مظهرة انقساماً بليغاً ورفضاً مجتمعياً واضحاً للقرار القضائي:
موقف القاعدة الحزبية من القيادة السابقة: كشفت البيانات أن نسبة ضئيلة للغاية لا تتجاوز خمسة بالمئة فقط من ناخبي حزب الشعب الجمهوري يؤيدون عودة كمال كليجدار أوغلو إلى سدة رئاسة الحزب.
خيارات تجاوز الأزمة التنظيمية: انقسمت الكتلة التصويتية للحزب المعارض بين مسارين؛ إذ يرى ثلاثة وأربعون بالمئة من الناخبين ضرورة تجاهل إدارة أوزيل للحكم القضائي ومواصلة مهامها القيادية، في حين حظي خيار الدعوة لعقد مؤتمر عام جديد بدعم أغلبية بلغت ثلاثة وثمسين بالمئة لإعادة ترتيب الأوراق بشكل قانوني.
المفارقة السياسية في خريطة الدعم: تبين من الاستطلاع أن التأييد الحقيقي لعودة كليجدار أوغلو لم ينبع من بيئته السياسية أو حلفائه، بل جاء بالدرجة الأولى من ناخبي المعسكر المنافس، وتحديداً مؤيدي حزب العدالة والتنمية الحاكم (AKP) وحليفه حزب الحركة القومية (MHP).
الموقف الشعبي العام من نزاهة الحكم: اتسمت النظرة العامة للقرار بالسلبية الشديدة والرفض؛ حيث اعتبر تسعة وثلاثون بالمئة من المستطلعين أن الخطوة القضائية “خاطئة تماماً”، ووصفها ثلاثة عشر بالمئة بأنها “خاطئة”، ليرتفع إجمالي الرافضين للقرار إلى اثنين وخمسين بالمئة من الرأي العام التركي.
التحليل السياسي والأبعاد السياقية للمشهد
تتجاوز تداعيات هذا الحكم مجرد النزاع القانوني الداخلي لتطرح علامات استفهام كبرى حول استقلالية القضاء، وسط اتهامات متزايدة من القوى المدنية والمحتجين بأن المنظومة القضائية تُستغل كأداة سياسية لهندسة المعارضة وإرباك صفوفها وإضعاف فاعليتها. إن سعي الأحزاب الحاكمة وحلفائها لترويج عودة القيادة السابقة يعكس استراتيجية واضحة تهدف إلى إذكاء الصراعات الداخلية وتشتيت الجهود التجديدية التي بدأت تتبلور في أروقة الحزب المعارض. هذا التدخل القضائي يعيد إلى الأذهان محاولات سابقة للحد من نفوذ القيادات الصاعدة، إلا أن الوعي الجماعي الذي أظهرته نتائج الاستطلاع يؤكد إدراك الجمهور لخطورة هذه الهندسة السياسية، وتمسكهم بالخيارات الديمقراطية والتجديد التنظيمي بعيداً عن الإملاءات القضائية المسيسة.
خلاصة
تسبب قرار إبطال مؤتمر حزب الشعب الجمهوري في أزمة سياسية قوبلت برفض شعبي واسع ومقاومة من ناخبي المعارضة المتمسكين بالتجديد القيادي لحزبهم.
أكدت المؤشرات أن عودة كليجدار أوغلو لا تحظى بأي حاضنة حقيقية داخل حزبه، بل تُدعم أساساً من خصومه السياسيين لتعميق الانقسامات الداخلية.

