بقلم: سليم نيازي أوغلو
يواصل المشهد المتأزم بين واشنطن وطهران، حيث تتداخل أصوات المدافع مع طاولات التفاوض في صراع معقد يتجاوز مجرد الاشتباك العسكري ليصل إلى جوهر السيادة الملاحية في مضيق هرمز.
مخاض التهدئة في ظل التصعيد الميداني
تعيش الهدنة الهشة التي دخلت حيز التنفيذ في أبريل الماضي أخطر اختباراتها الميدانية والسياسية، في محاولة لتحويلها إلى اتفاق دائم ينهي حرباً دامت ثلاثة أشهر وحصدت آلاف الأرواح. وتتزامن هذه التطورات مع تسريبات حول “مذكرة تفاهم” تمتد لستين يوماً، تهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار وفتح باب النقاش حول البرنامج النووي الإيراني، إلا أن هذا المسار الدبلوماسي لا يزال ينتظر الضوء الأخضر النهائي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي الوقت الذي بددت فيه أسعار النفط مكاسبها فور ورود أنباء التقارب، يبقى الميدان مشتعلاً بعمليات توصف بأنها “محسوبة”، حيث نفذت القوات الأميركية غارات استهدفت مسيرات إيرانية ومنصات تحكم في بندر عباس، ورد عليها الحرس الثوري باستهداف قاعدة جوية في الكويت.
مضيق هرمز: صراع الجباية والسيادة
يبرز مضيق هرمز كبؤرة للصراع الراهن، حيث تحاول طهران فرض واقع ملاحي جديد يمنحها سلطة التحكم في الممرات المائية وفرض “رسوم عبور” عبر ممرها الشمالي، وهو ما تعتبره واشنطن محاولة لابتزاز التجارة الدولية. وقد اتخذت الإدارة الأميركية موقفاً حازماً تجاه أي تعاون إقليمي في هذا الصدد، حيث هدد وزير الخزانة سكوت بيسنت بفرض عقوبات صارمة على سلطنة عمان في حال تورطها في تنفيذ نظام رسوم العبور بالتعاون مع إيران. ويؤكد البيت الأبيض أن المضيق يجب أن يظل مفتوحاً للجميع، رافضاً أي صيغة تمنح طهران حق السيطرة عليه، مما يجعل من هرمز اختباراً حقيقياً لموازين القوى في الخليج.
تكتيكات الرد المتبادل وحدود الاشتباك
تتبع إيران استراتيجية “التصعيد المحدود” لترسيخ معادلة أن أي ضربة أميركية لن تمر دون رد، مع الحرص على عدم الانزلاق إلى حرب شاملة قد تهدد النظام. ويأتي استهداف الكويت ضمن هذا السياق، كونه رداً “متناسباً” بذريعة انطلاق المسيرات الأميركية من قواعدها، في حين تصر واشنطن على أن عملياتها “دفاعية” تهدف لحماية وقف إطلاق النار ومنع تعطيل الملاحة. وتوحي هذه الديناميكية بأن الطرفين دخلا مرحلة “التفاوض تحت النار”، حيث تستمر المحادثات السياسية بينما تُنفذ عمليات عسكرية جراحية لتحسين شروط التفاوض على الأرض.
الداخل الإيراني والوساطة الدولية
في ظل هذه الضغوط، يسعى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي لترسيخ الجبهة الداخلية، حيث دعا البرلمان إلى تجنب الانقسامات والتركيز على مواجهة التحديات الخارجية فيما وصفه بـ”أيام الدفاع المقدس الثالثة”. وعلى الصعيد الدبلوماسي، تبرز باكستان كلاعب وسيط، حيث يزور وزير خارجيتها إسحق دار واشنطن للقاء نظيره الأميركي ماركو روبيو، في مهمة قد تكون مرتبطة بمحاولات جسر الهوة بين الطرفين. ورغم تعقيد الملفات، خاصة “ملف اليورانيوم” والعقوبات الاقتصادية، تظل الدبلوماسية هي الخيار الأول للإدارة الأميركية، بشرط معالجة مخاوفها الأمنية والنووية بشكل جذري.
مستقبل الصراع
يرى الخبراء أن المنطقة ليست قريبة من استقرار دائم، بل تتجه نحو سيناريو “الأزمات المزمنة”، حيث تتبادل الأطراف الضربات المحدودة مع بقاء قنوات الاتصال مفتوحة. وبينما تستبعد التحليلات فتح المضيق بالقوة في المرحلة الحالية لما يحمله من مخاطر اقتصادية عالمية، فإن استمرار التعطيل الملاحي قد يجعل هذا الخيار مطروحاً كملاذ أخير. إن الاتفاق المرتقب، إن حدث، لن ينهي الصراع الجذري، بل قد يكون مجرد “هدنة مؤقتة” تؤجل الانفجار الكبير وتمنح الأطراف وقتاً لإعادة تموضع استراتيجي في ظل توازنات القوى المتغيرة في الشرق الأوسط.
خلاصة
تمر العلاقة الأميركية الإيرانية بمرحلة “التفاوض تحت النار”، حيث تختبر الضربات الميدانية حدود الهدنة الهشة وسط صراع محتدم حول السيادة الملاحية في مضيق هرمز ومستقبل الملف النووي. ويبقى المشهد معلقاً بين رغبة الطرفين في تجنب حرب شاملة وصعوبة التوصل إلى تسوية دائمة تلبي شروط واشنطن وتطلعات طهران الإقليمية.

