بينما انشغلت العاصمة التركية أنقرة ببريق الصور الدبلوماسية لقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في يوليو ٢٠٢٦، والتي صُورت محلياً كنجاح ساحق للرئيس رجب طيب أردوغان، تبرز قراءة مغايرة تماماً من أروقة واشنطن؛ حيث يرى المتابعون هناك أن المشهد الاحتفالي لا يعدو كونه غلافاً خارجياً لحقيقة مفادها أن مفاتيح القرارات الإستراتيجية ما زالت محصورة في يد الإدارة والمؤسسات الأمريكية.
قمة أنقرة: انتصار المشهد مقابل واقع القوة
يُصور الإعلام التركي استضافة القمة كشهادة على الدور الريادي لتركيا، مستعرضاً مراسم الاستقبال الفخمة التي حظي بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والثناء المتبادل بين الزعيمين. ومع ذلك، فإن النظرة الأمريكية العميقة تتجاوز تفاصيل الضيافة التركية، لتركز على كيفية إعادة ترامب صياغة الحلف في ولايته الثانية؛ إذ لم تعد القمة اختباراً لمستقبل الناتو بقدر ما هي استعراض لسيطرة ترامب المطلقة على أجندته وتوجهاته الجديدة.
إعادة هندسة الحلف: من “التقادم” إلى “القيادة المطلقة”
لقد تجاوز الحلف مرحلة التشكيك التي طبعت الولاية الأولى لترامب، حين وصف الناتو بـ”عفا عليه الزمن”، لينتقل الآن إلى مرحلة الامتثال الكامل لمطالب واشنطن بشأن تقاسم الأعباء وزيادة الإنفاق الدفاعي. ويبدو أن الحكومات الأوروبية آثرت التكيف بدلاً من المقاومة، مما جعل زيادة الميزانيات العسكرية ليست مجرد رد فعل على التهديد الروسي، بل استجابة مباشرة للضغوط السياسية القادمة من البيت الأبيض.
تحولات البوصلة الإستراتيجية: إيران تتصدر المشهد
شهدت القمة تحولاً جذرياً في الأولويات؛ فبينما كان من المتوقع أن تهيمن الأزمة الأوكرانية على المداولات، أدت العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران والتطورات الإقليمية اللاحقة إلى وضع طهران في قلب الحسابات الإستراتيجية للحلف. وأصبح أمن الطاقة، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وأمن إسرائيل، وحماية المنشآت الأمريكية في الشرق الأوسط، ملفات مترابطة تفرض على الناتو دوراً يتجاوز جغرافيا القارة الأوروبية نحو دور أمني عالمي أوسع.
استعادة الثقل التركي: ضرورة جغرافية لا دبلوماسية
في ظل هذا المناخ الأمني المتفجر، استعادت تركيا أهميتها الإستراتيجية كحليف “لا غنى عنه”، ليس بسبب تغير في القناعات الأمريكية تجاه حكومة أردوغان، بل نتيجة لموقعها الجغرافي الحاكم لملفات البحر الأسود، وسوريا، وإيران، وممرات الطاقة، والهجرة. فواشنطن تفرق بوضوح بين القيمة الجيوسياسية للدولة التركية وبين التشكيك المؤسسي المستمر في سياسات حكومتها؛ مما يعني أن الثقل التركي المتزايد هو نتاج لضرورات الواقع لا لبراعة المناورة السياسية وحدها.
فخ الوعود: ترامب والكونغرس ومتاهة القرارات
رغم الوعود الجذابة التي أطلقها ترامب في أنقرة بشأن رفع عقوبات “كاتسا” (CAATSA) وإعادة دمج تركيا في برنامج مقاتلات (F-35)، إلا أن الواقع السياسي في واشنطن يشي بمسار مختلف. ففي النظام الأمريكي، لا تتحول تصريحات الرئيس تلقائياً إلى سياسات نافذة، خاصة مع وجود معارضة قوية من الحزبين في الكونغرس وشكوك عميقة تجاه أنقرة؛ حيث بدأت بالفعل تحركات تشريعية لعرقلة أي صفقات تسليح محتملة، مدفوعة أيضاً بتحذيرات من أطراف إقليمية مثل اليونان التي ترى في هذه الصفقات تهديداً لاستقرار شرق المتوسط.
الصمت الأوروبي: تكتيكات البقاء في ظل التهديد
يُفسر الهدوء الأوروبي تجاه توجهات ترامب في أنقرة كنوع من الإذعان، لكنه في الحقيقة محاولة لتجنب مواجهة جديدة مع إدارة قد تنفذ تهديداتها بتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا. فالأهداف الأوروبية الحالية تنحصر في تجاوز هذه المرحلة بأقل قدر من الأزمات العابرة للمحيط الأطلسي، بعيداً عن الطموحات الكبرى.
المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد
إن النجاح الذي حققه أردوغان في “كسب المشهد” والصور التذكارية لا يعني بالضرورة حل الخلافات الجوهرية مع واشنطن. فالمرحلة التالية للقمة لن تكتب فصولها في أنقرة، بل في أروقة مؤسسات صنع القرار وصناعة السياسة الخارجية في العاصمة الأمريكية.
ويلاحظ أن تركيا تحاول استغلال حاجة واشنطن لدور إقليمي ضابط لموازين القوى مع إيران، لانتزاع تنازلات تقنية وعسكرية، إلا أن هذا الرهان يبقى محفوفاً بالمخاطر في ظل حالة الاستقطاب الداخلي الأمريكي وسرعة تقلب الأولويات في إدارة ترامب الثانية.
خلاصة
بينما احتفت تركيا بجماليات القمة وصورها، تظل الحقائق الصلبة والقرارات الإستراتيجية حبيسة التوازنات السياسية والقانونية في واشنطن، حيث تتصادم رغبات ترامب مع ممانعة المؤسسات الأمريكية.

