يشير المحلل السياسي التركي، نجيب بهادر، في قراءته للمشهد السياسي الراهن في العاصمة التركية، إلى أن أنقرة تشهد حراكاً ديبلوماسياً غير مسبوق تزامناً مع قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، مؤكداً أن هذه القمة، رغم كونها واحدة من سلسلة اجتماعات القادة الاعتيادية، إلا أن طقوس التحضير لها والمبالغة في الإجراءات المرافقة جعلتها حالة استثنائية في تاريخ الدولة التركية الحديثة.
عمارة الاستقبال: مطار بمليار دولار لضيف واحد
يرى بهادر أن الحفاوة التركية بزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاوزت الأعراف الديبلوماسية لتصل إلى حد البذخ الإنشائي؛ حيث تم تجديد مطار قديم وتطوير مدرجاته وبناء صالات استقبال خاصة بتكلفة تجاوزت المليار دولار، فقط لضمان هبوط طائرة ترامب وتوفير سبل الراحة له. وينقل المحلل استغرابه من هذه “المودة” المفرطة، خاصة مع تصريحات ترامب التي تفاخر فيها بأن القيادة التركية لا ترفض له طلباً، وهو ما يعتبره بهادر حالة من الانتقاص من السيادة الدولية التي تقوم عادة على التكافؤ والمصالح المتبادلة لا على التبعية.
الأمن الوقائي: تجريم “الاحتمالات” وتغييب المعارضة
يتوقف بهادر عند الإجراءات الأمنية التي سبقت القمة، واصفاً إياها بأنها تجاوزت مفهوم الحماية لتتحول إلى حملة قمعية شملت اعتقال مئات الأكاديميين والصحفيين والنشطاء. ويوضح أن التهمة الموجهة لهؤلاء لم تكن ارتكاب فعل جرمي، بل “احتمالية” التظاهر أو الاحتجاج، مما يعكس تراجعاً حاداً في المعايير الديمقراطية والحقوقية تحت إدارة قضائية يصفها بأنها باتت أداة بيد السلطة التنفيذية.
مشهدية “القوى الخارجية”: التناقض بين الخطاب والواقع
يسلط التحليل الضوء على التناقض الصارخ في خطاب “العداء للقوى الخارجية” الذي طالما استُخدم في الداخل التركي؛ حيث يرى بهادر أن العاصمة تحولت إلى “مدينة أشباح” من أجل راحة القادة الأجانب، مع إغلاق الدوائر الحكومية ومنح الموظفين إجازة قسرية، وتغطية المباني ببراندات ملونة وتجميل الشوارع لإخفاء الواقع. ويبرز هذا التناقض بوضوح في إضاءة جسر السلطان محمد الفاتح بألوان العلم الأمريكي كبادرة ترحيب بترامب، وهو ما يراه بهادر “صورة من صور الاستسلام” التي تضرب في العمق كبرياء الدولة، متسائلاً عن غياب الأصوات التي كانت تهاجم الإمبريالية والغرب.
الإسلام السياسي والبراغماتية السلطوية
وفقاً لرؤية نجيب بهادر، فإن حزب العدالة والتنمية يستخدم “الإسلام السياسي” مجرد شعار لتعزيز سلطته والحفاظ على مقعد الحكم، وليس كمبادئ ثابتة. ويستدل على ذلك بازدواجية المعايير؛ حيث يتم التظاهر ضد إسرائيل في جسر “غلطة” بينما يتم الاحتفاء بالإمبريالية الأمريكية على جسر “الفاتح”. كما يشير إلى صمت القوى القومية واليسارية الموالية للسلطة، مثل مجموعة “دوغو برينجك”، التي غابت أصواتها المعهودة المناهضة للناتو والولايات المتحدة في هذا التوقيت الحساس.
الملفات الاستراتيجية المفقودة: F-35 والسيادة المغيبة
يطرح بهادر تساؤلات جوهرية حول الجدوى الاستراتيجية لهذه التنازلات، متسائلاً عن مصير مشروع مقاتلات “F-35” التي استُبعدت تركيا منها، وعن مصير منظومة “S-400” الروسية التي كلفت المليارات ولا يزال مكانها مجهولاً. ويخلص المحلل إلى أن الديمقراطية في تركيا باتت تعاني من أزمة بنيوية؛ حيث فقدت الانتخابات معناها الحقيقي في ظل غياب العدالة والمساواة الإعلامية، محذراً من أن الانجراف وراء تأمين الحماية الخارجية على حساب الكرامة الوطنية والحقوق الداخلية يضع الدولة في موقف يتسم بالضعف والاهتزاز.
خلاصة
تجسد قمة أنقرة تناقضاً عميقاً بين خطاب السيادة والواقع المتمثل في تقديم تنازلات كبرى “للقوى الخارجية” لضمان بقاء السلطة، وسط غياب تام للديمقراطية وتغييب ممنهج للأصوات المعارضة.

