يرسم المحلل السياسي التركي هايكو بغداد صورة معقدة وقاتمة للمشهد السياسي الراهن في تركيا، واصفاً العلاقة بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والأمريكي دونالد ترامب بأنها نموذج لـ”دبلوماسية التبعية” التي تفتقر إلى المؤسسية.
ومن خلال قراءة تحليلية قدمها في برنامج على يوتيوب مع الصحفي أرقم طوفان، يرى بغداد أن الاستقبال الأسطوري الذي حظي به ترامب في أنقرة، والذي تجاوز كافة بروتوكولات الدولة المعتادة، لم يكن مجرد ترحيب بضيف رفيع، بل كان تجسيداً لحاجة النظام التركي الماسة لشرعية خارجية تستر تآكل شعبيته في الداخل.
مظاهر الاستقبال وبروتوكول “سيد القصر“
يشير بغداد إلى أن اندفاع أردوغان لاستقبال ترامب عند باب طائرته، ونشر السوارية والسجاد الأحمر والمراسم التي لم تخصص لغيره من القادة، يعكسان اعترافاً ضمنياً بموازين قوى مختلة؛ حيث يُنظر إلى ترامب في أنقرة كـ“رئيس مباشر” (The Boss) وليس كنظير سياسي.
وفي الوقت الذي كانت فيه الخيول تتبختر في مراسم الاستقبال، كانت السلطات التركية تشن حملة اعتقالات طالت مئات المواطنين من أكاديميين وصحفيين، مما يبرز التناقض الحاد بين الحفاوة بالخارج والبطش بالداخل.
فخ “الولاء” وإهانة السيادة
توقف هايكو بغداد ملياً عند وصف ترامب لأردوغان بـ“الصديق الوفي” أو “المخلص” (Sadık). ويرى المحلل أن هذه المفردة في القاموس السياسي لا تعني احتراماً لسيادة الدولة، بل تعني التبعية الكاملة لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. ويدلل بغداد على ذلك بقدرة ترامب على فرض إرادته باتصال هاتفي واحد، كما حدث في قضية القس الأمريكي “برونسون”، حيث أُطلق سراحه فوراً رغم اتهامه بأنه كان العقل المدبر للانقلاب الفاشل في ٢٠١٦، مما يثبت أن مؤسسات القضاء التركي أصبحت مجرد أدوات في يد “الرجل الواحد” الذي يتحكم به “مزاج ترامب”.
وهم “البشرى” وأزمة التسليح المعقدة
فيما يتعلق بملف طائرات F-35 الأمريكية ومنظومة S-400 الروسية، يفند بغداد ادعاءات الإعلام الموالي للنظام حول وجود “بشرى” قريبة. ويؤكد أن وعود ترامب تظل هلامية وغير ملزمة، وتصطدم بعقبة الكونغرس الأمريكي الصلبة. فالمعادلة الأمريكية واضحة ولا تقبل القسمة: لا طائرات حديثة ولا رفع للعقوبات طالما بقيت المنظومة الروسية داخل الحدود التركية.
كما يشير بغداد إلى مفارقة مضحكة؛ فتركيا تفتخر بطائرة “كآان” المحلية، بينما “محركها” لا يزال رهيناً بموافقة واشنطن التي ترفض بيعه لأنقرة.
الصحة المعتلة والخطاب الضعيف
لاحظ بغداد خلال المؤتمر الصحفي المشترك ظهور أردوغان بشكل “منهك وضعيف“، حيث غاب عنه النشاط المعتاد وكان يلقي إجابات باهتة تفتقر إلى القوة في مواجهة نبرة ترامب الراديكالية.
ويرجح المحلل أن هذا الضعف قد يعود لمشاكل صحية متكررة أو لخوف أردوغان من الوقوع في خطأ لفظي يغضب ترامب، خاصة في ظل غياب أجهزة القراءة الآلية (البرومبتر) التي يعتمد عليها عادة.
تركيا كدولة “عشائرية” في منظور الناتو
يرى بغداد أن السياسة الخارجية التركية انحرفت عن مسارها المؤسسي لتصبح أشبه بـ“علاقة شخصية“ بين زعيمين سلطويين. ويحذر من أن تحول تركيا إلى “دولة قبيلة” في نظر الغرب يضع مستقبل 85 مليون مواطن تحت رحمة “مزاج رجلين”.
كما يعتبر أن عقد اجتماعات حلف الناتو في قصر أردوغان هو بمثابة “قبلة الحياة“ من الغرب لديكتاتور، على حد تعبيره، يضعف داخلياً، حيث يفضل الغرب “القائد الوظيفي” الذي ينفذ الأجندات العسكرية على حساب معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان.
المسألة الكردية: مفاوضات في الظلام
ينتقد بغداد غياب الشفافية في التعامل مع “حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب” (DEM) بشأن مسودة القانون الجديد المتعلق بالقضية الكردية. ويشير إلى أن السلطة تخفي تفاصيل المسودة عن الممثلين الشرعيين في البرلمان، بينما قد تكون بصدد التفاوض المباشر مع زعيم حزب العمال الكردستاني “عبد الله أوجلان” في سجن إيمرالي. ويرى أن أي حل لا يمر عبر إجماع وطني ومشاركة سياسية حقيقية سيظل مجرد “قانون ندم” لا يهدف لإحلال السلام بل لفرض الاستسلام.
ويؤكد هايكو بغداد أن تركيا تعيش حالة من “ارتهان القرار الوطني“ لمصالح الفرد، حيث تضحي الدولة بمؤسساتها وتاريخها الدبلوماسي من أجل مكاسب سياسية لحظية للنظام، مما جعل البلاد تواجه أزمة وجودية تتمثل في تحولها من حليف مؤسسي إلى “شريك تابع” في مشروع سلطوي عالمي.
خلاصة
تتمحور رؤية هايكو بغداد حول أن حفاوة أردوغان بترامب تعكس ضعفاً داخلياً يبحث عن شرعية خارجية، محذراً من أن بناء السياسة الخارجية على “علاقات الرفاق” الشخصية يهدد المؤسسية التركية ويحول الدولة إلى مجرد “ورقة وظيفية” في الأجندات الدولية.

