تشير معطيات دبلوماسية متقاطعة إلى أن فرنسا باتت أكثر استعدادًا لبحث إمكانية تزويد تركيا بمنظومة الدفاع الجوي والصاروخي الأوروبية منظومة “سامب تي”، في تحول سياسي لافت قد يفتح الباب أمام استئناف مفاوضات توقفت لسنوات بسبب الخلافات بين أنقرة وباريس.
وبحسب معلومات نقلتها وكالة رويترز عن خمسة مصادر مطلعة على المناقشات، فإن هذا التغير لا يعني التوصل إلى اتفاق نهائي، لكنه يعكس استعدادًا فرنسيًا للدخول في مرحلة جديدة من الحوار بشأن إحدى أكثر منظومات الدفاع الجوي الأوروبية تطورًا، بعد فترة طويلة كانت باريس خلالها تمثل العقبة السياسية الرئيسية أمام المشروع.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل سعي تركيا إلى بناء شبكة دفاع جوي وطنية متكاملة تحت اسم «القبة الفولاذية» (Steel Dome)، وهي منظومة متعددة الطبقات تهدف إلى التصدي للطائرات المسيّرة والصواريخ المجنحة والباليستية ومختلف التهديدات الجوية عبر دمج الأنظمة المحلية والمستوردة ضمن بنية قيادة وسيطرة موحدة.
لقاءات قادة أوروبا تمهد لتغيير المناخ السياسي
وفقًا لأربعة مصادر تحدثت إلى رويترز، فإن الانفتاح الفرنسي جاء عقب مباحثات جمعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال قمة عقدت في الخامس والعشرين من يونيو، سبقت اجتماعات حلف شمال الأطلسي.
وأكد أحد المطلعين على هذه المحادثات أن المشهد السياسي تغير بصورة واضحة، موضحًا أن غياب الاستعداد الفرنسي الذي كان يطغى على المرحلة السابقة استبدله قدر من الانفتاح يسمح بإعادة تحريك الملف.
ورغم ذلك، لم تؤكد الرئاسة الفرنسية هذه المعلومات بشكل صريح، واكتفت بالقول إن الرواية المتداولة تتضمن “مغالطات جوهرية”، من دون تحديد طبيعة هذه الملاحظات أو تقديم توضيحات إضافية. كما امتنعت وزارتا الخارجية والدفاع الفرنسيتان عن التعليق، وأحالتا الاستفسارات إلى قصر الإليزيه، في حين لم تصدر وزارة الخارجية التركية أي تعليق رسمي على ما ورد.
مشروع بدأ قبل سنوات ثم تعثر بسبب الأزمات الإقليمية
لم تكن فكرة التعاون الدفاعي بين تركيا وفرنسا وإيطاليا جديدة، إذ بدأت الدول الثلاث خلال عامي 2017 و2018 مشاورات لإطلاق برنامج مشترك لتطوير منظومة دفاع جوي بعيدة المدى، شمل دراسات تتعلق بالتصميم والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا.
لكن المشروع دخل مرحلة جمود مع تصاعد الخلافات السياسية بين أنقرة وباريس، خصوصًا على خلفية ملفات الحرب في سوريا والأزمة الليبية، إضافة إلى النزاعات المتشابكة في شرق البحر المتوسط المرتبطة بالحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الطاقة والخلافات مع اليونان وقبرص.
وخلال تلك الفترة، كانت الأوساط التركية تعتبر أن الموقف الفرنسي هو السبب السياسي الأساسي في تعطيل المشروع، بينما حافظت إيطاليا على موقف أكثر مرونة، إذ واصلت دعم فكرة إشراك تركيا في البرنامج انطلاقًا من رغبتها في توسيع التعاون الصناعي والعسكري بين الجانبين.
وأكد مسؤول تركي لرويترز أن مسار المشروع ظل متوقفًا منذ عام 2020 نتيجة التوترات في شرق المتوسط والعقوبات الأوروبية التي فرضت آنذاك، إلا أنه أشار إلى أن المؤشرات الحالية تدل على وجود إرادة سياسية مشتركة لدى تركيا وفرنسا وإيطاليا لإعادة دفع المشروع نحو الأمام.
«SAMP/T»… الركيزة الأوروبية لمواجهة الصواريخ الباليستية
تُعد منظومة منظومة “سامب تي”، المعروفة أيضًا باسم «مامبا»، إحدى أكثر منظومات الدفاع الجوي الأوروبية تطورًا، ويتم تصنيعها عبر تحالف «يوروسام» الذي يضم شركات MBDA فرنسا وMBDA إيطاليا وThales.
وتتميز المنظومة بقدرتها على تتبع عشرات الأهداف الجوية بصورة متزامنة، واعتراض عدة تهديدات في الوقت نفسه، كما تُعد المنظومة الأوروبية الوحيدة التي تعلن امتلاكها القدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية، ما يجعلها النظير الأوروبي الأقرب لمنظومة «باتريوت» الأمريكية.
وتنظر أنقرة إلى هذه القدرات باعتبارها عنصرًا أساسيًا في استكمال مشروع «القبة الفولاذية»، الذي يهدف إلى إنشاء شبكة دفاع جوي وطنية متكاملة تعتمد على التنسيق بين الرادارات وأنظمة القيادة ومنظومات الاعتراض متعددة المدى، بما يحقق تغطية شاملة للأجواء التركية.
احتياجات تركيا الدفاعية تدفع نحو تنويع الخيارات
ورغم امتلاك تركيا ثاني أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي، فإنها لا تمتلك حتى الآن مظلة دفاع صاروخي وطنية مكتملة، ولا تزال تعتمد جزئيًا على منظومات الحلف والطائرات المقاتلة لتأمين مجالها الجوي.
وفي هذا السياق، أكد وزير الدفاع التركي يشار غولر خلال يونيو أن بلاده تواصل تقييم أكثر من خيار لتلبية احتياجاتها الدفاعية، وفي مقدمتها منظومتا «باتريوت» الأمريكية و منظومة “سامب تي” الأوروبية، مشددًا على أن أنقرة تولي أهمية خاصة لنقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، وليس مجرد شراء منظومات جاهزة.
وتشير المعطيات إلى أن أي اتفاق محتمل سيركز على الجيل الجديد من منظومة منظومة “سامب تي”، الذي بدأ دخوله الخدمة تدريجيًا لدى القوات المسلحة الفرنسية والإيطالية، بما يمنح تركيا فرصة للحصول على نسخة أكثر تطورًا مقارنة بالأجيال السابقة.
الحسابات الإقليمية… اليونان وقبرص في قلب المعادلة
ورغم بوادر الانفتاح الفرنسي، فإن الملف لا يزال محاطًا بحسابات سياسية معقدة، إذ أفادت مصادر بأن باريس قد تجد نفسها مضطرة إلى طمأنة كل من اليونان وقبرص قبل المضي في أي صفقة مع أنقرة، نظرًا لارتباطها باتفاقيات تعاون دفاعي واستراتيجي مع البلدين.
وتنبع حساسية هذا الملف من استمرار النزاعات بين تركيا وكل من أثينا ونيقوسيا حول ترسيم الحدود البحرية وحقوق استغلال موارد الطاقة والتحركات العسكرية في شرق البحر المتوسط، وهي ملفات كانت سببًا رئيسيًا في توتر العلاقات خلال السنوات الماضية.
سجل تصدير محدود وانتشار متزايد للمنظومة
ولا تزال صادرات منظومة منظومة “سامب تي” محدودة نسبيًا، إذ تُعد سنغافورة الدولة الوحيدة التي حصلت عليها خارج فرنسا وإيطاليا عبر صفقة تصدير كاملة، بينما جرى خلال السنوات الأخيرة نقل المنظومة إلى أوكرانيا لدعم دفاعاتها الجوية في مواجهة الهجمات الروسية.
كما نشرت فرنسا المنظومة هذا العام في دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن ترتيبات دفاعية هدفت إلى تعزيز الحماية من الهجمات الصاروخية الإيرانية، في حين أرسلت إيطاليا المنظومة إلى تركيا في منتصف يونيو ضمن ترتيبات دفاعية خاصة بحلف شمال الأطلسي.
اتصالات سياسية متواصلة قبل حسم القرار
ومن المنتظر أن يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هامش اجتماعات حلف الناتو لمناقشة عدد من الملفات الثنائية، وفي مقدمتها التعاون الدفاعي.
كما أفاد أحد المصادر بأن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ناقشت ملف منظومة منظومة “سامب تي” مع الرئيس أردوغان خلال اتصال هاتفي جرى في الثالث من يوليو، في مؤشر إضافي على استمرار المشاورات السياسية بين الأطراف الثلاثة.
تقديرات الخبراء… الطريق لا يزال طويلًا
ويرى الباحث التركي في شؤون الدفاع والأمن مراد أصلان، المنتمي إلى مؤسسة «سيتا» للدراسات، أن ما يجري حاليًا لا ينبغي تفسيره باعتباره موافقة فرنسية على إتمام الصفقة، وإنما يمثل فقط بداية لمسار تفاوضي قد يستغرق وقتًا طويلًا قبل الوصول إلى اتفاق نهائي.
ويؤكد هذا التقدير أن أي تقدم فعلي سيظل مرهونًا بالتوازنات السياسية داخل أوروبا، ومستقبل العلاقات التركية الأوروبية، إضافة إلى طبيعة الضمانات التي قد تطلبها الدول المعنية قبل إقرار الصفقة.
سياق استراتيجي أوسع
يتزامن هذا التطور مع تحولات متسارعة في البيئة الأمنية الأوروبية، حيث دفعت الحرب في أوكرانيا وتصاعد التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة معظم دول القارة إلى إعادة تقييم قدراتها الدفاعية وتسريع برامج التسلح والتعاون الصناعي العسكري. وفي المقابل، تواصل تركيا تنفيذ استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين عبر توسيع قاعدة التصنيع الدفاعي المحلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الانفتاح على الشراكات الغربية التي توفر نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، وهو ما يجعل ملف منظومة “سامب تي” يتجاوز كونه صفقة تسليح ليصبح اختبارًا لمستقبل العلاقات الأمنية بين أنقرة والعواصم الأوروبية.
الخلاصة
يمثل الانفتاح الفرنسي المحتمل تجاه مناقشة تزويد تركيا بمنظومة “سامب تي” تحولًا سياسيًا مهمًا بعد سنوات من التعثر، لكنه لا يعني أن الصفقة أصبحت محسومة. ويبقى نجاح المشروع مرتبطًا بتطور العلاقات التركية الأوروبية، وبقدرة الأطراف الثلاثة على تجاوز الاعتبارات السياسية والإقليمية التي عطلت التعاون طوال الأعوام الماضية.

