تتصاعد الدعوات داخل ألمانيا إلى ضرورة عدم حصر اجتماعات قمة حلف شمال الأطلسي في الملفات العسكرية والأمنية، بل إدراج قضايا الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان في صلب المحادثات مع القيادة التركية، في ظل استمرار الانتقادات الأوروبية للتطورات السياسية والقضائية داخل تركيا.
وفي هذا السياق، دعا الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، الشريك في الائتلاف الحكومي، المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى استغلال لقائه المرتقب بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة الناتو المنعقدة في أنقرة يومي السابع والثامن من يوليو، لإثارة ما وصفه بتراجع أوضاع الحقوق والحريات واستقلال القضاء في تركيا.
الحزب الاشتراكي: الصمت لم يعد خيارًا
أكدت سيمتجه مولر، نائبة رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي، أن الهجمات المستمرة التي تشنها السلطات التركية على المعارضة ومؤسسات دولة القانون يجب ألا تمر دون موقف واضح من برلين.
وشددت، في تصريحات لصحف مجموعة “فونكه” الإعلامية، على أنها تتوقع من المستشار الألماني أن ينقل هذه الرسائل بصورة مباشرة إلى الجانب التركي، معتبرة أن الدفاع عن القيم الديمقراطية يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من الحوار بين الحلفاء داخل الناتو، وليس ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يشارك فيه ميرتس، زعيم الاتحاد الديمقراطي المسيحي، في أول قمة للناتو منذ توليه منصبه، إلى جانب قادة الدول الاثنتين والثلاثين الأعضاء في الحلف، ومن بينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بينما يشغل الحزب الاشتراكي الديمقراطي موقع الشريك الأصغر في الحكومة الائتلافية الألمانية.
استضافة تركيا للقمة تثير حساسية سياسية
ترى الأوساط الاشتراكية الديمقراطية أن اختيار تركيا لاستضافة قمة الحلف هذا العام يمنح ملف الحريات بعدًا أكثر حساسية، لأن القمة تُعقد في ظل تصاعد الجدل بشأن الوضع الداخلي التركي، واستمرار الإجراءات التي تستهدف شخصيات معارضة وصحفيين ونشطاء مجتمع مدني.
وبحسب هذا الطرح، فإن استضافة حدث دولي بهذا الحجم لا ينبغي أن تؤدي إلى تجاهل القضايا المرتبطة بالديمقراطية وسيادة القانون، بل على العكس، تفرض على القادة الغربيين تناولها بصورة مباشرة خلال لقاءاتهم الثنائية مع المسؤولين الأتراك.
ميرتس سبق أن أثار الملف مع أردوغان
ليست هذه المرة الأولى التي يطرح فيها المستشار الألماني هذه القضايا أمام الرئيس التركي، إذ سبق أن ناقشها خلال زيارته الرسمية إلى أنقرة في أكتوبر الماضي.
وعقب اجتماعه مع أردوغان آنذاك، صرح ميرتس بأن بعض القرارات والإجراءات المتخذة داخل تركيا لا تتوافق مع المعايير الأوروبية المتعلقة بالديمقراطية وسيادة القانون، مشيرًا إلى أنه بحث كذلك المخاوف المرتبطة باستقلال السلطة القضائية.
وكان من بين الملفات التي تناولها خلال تلك الزيارة قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي أصبح لاحقًا محورًا رئيسيًا للانتقادات الأوروبية الموجهة للحكومة التركية.
اعتقالات جديدة قبيل انعقاد القمة
تتزامن المطالب الألمانية مع تصاعد الانتقادات الأوروبية بعد تنفيذ السلطات التركية حملات أمنية واسعة خلال الأيام التي سبقت انعقاد القمة.
وأفادت وسائل إعلام تركية بأن قوات الأمن نفذت، يوم الأحد، عمليات متزامنة في عدد من الولايات، أسفرت عن توقيف عشرات الأشخاص، بينهم صحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، في خطوة اعتبرها مراقبون استمرارًا لسياسة التضييق على الأصوات المعارضة.
وفي الوقت نفسه، فرضت السلطات التركية حظرًا على تنظيم المظاهرات في العاصمة أنقرة قبيل انعقاد قمة الناتو، وهو إجراء قالت منظمات حقوقية إنه يندرج ضمن سياسة أوسع لتقييد حرية التجمع السلمي وحرية التعبير خلال فترة انعقاد الاجتماعات الدولية.
“هيومن رايتس ووتش”: لا تجعلوا حقوق الإنسان ملفًا هامشيًا
وقبل أيام من افتتاح القمة، دعت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قادة حلف شمال الأطلسي إلى عدم تجاهل أوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون أثناء وجودهم في أنقرة.
وقالت المنظمة إن الرئيس أردوغان عزز بصورة متزايدة تركيز السلطة داخل مؤسسة الرئاسة، في الوقت الذي يُتهم فيه القضاء باستخدام صلاحياته لاستهداف حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بعد النجاح الذي حققه في الانتخابات المحلية لعام 2024، عندما تمكن من هزيمة الحزب الحاكم في عدد كبير من البلديات الرئيسية.
ورأت المنظمة أن التطورات الأخيرة تعكس تراجعًا مستمرًا في الضمانات الديمقراطية، مطالبة قادة الحلف بعدم الفصل بين التعاون الأمني والالتزام بالقيم التي تأسس عليها الناتو.
قضية إمام أوغلو في قلب الانتقادات الأوروبية
أصبحت قضية أكرم إمام أوغلو تمثل أبرز عنوان للانتقادات الغربية الموجهة لأنقرة.
فقد تعرض رئيس بلدية إسطنبول للاعتقال العام الماضي، في خطوة اعتبرتها المعارضة ذات دوافع سياسية، بينما جرى في الثالث والعشرين من مارس 2025 اختياره رسميًا مرشحًا رئاسيًا لحزب الشعب الجمهوري في اليوم نفسه الذي أوقف فيه، عقب انتخابات داخلية أجراها الحزب.
وترى قوى المعارضة أن توقيت هذه التطورات يعكس محاولة لإقصاء أبرز منافس سياسي للرئيس أردوغان قبل أي استحقاق انتخابي مقبل.
تطورات داخل حزب الشعب الجمهوري تزيد من حدة الأزمة
ولم تتوقف الضغوط عند قضية إمام أوغلو، إذ أصدرت إحدى المحاكم التركية خلال مايو قرارًا يقضي بإبعاد رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل عن رئاسة الحزب.
وأثار القرار موجة واسعة من الانتقادات داخل تركيا وخارجها، حيث وصفته شخصيات معارضة ومراقبون بأنه يحمل أبعادًا سياسية أكثر من كونه إجراءً قانونيًا، معتبرين أنه يأتي ضمن سلسلة من الإجراءات التي تستهدف الحزب المعارض الأكبر في البلاد.
رسائل المعارضة إلى قادة الناتو
بالتزامن مع انعقاد القمة، وجه مؤيدو إمام أوغلو رسائل إلى قادة الدول الأعضاء في الحلف، دعوهم فيها إلى عدم تجاهل قضية السياسي المعارض المعتقل أثناء مشاركتهم في الاجتماعات.
وأكدوا أن انشغال القادة العالميين بمناقشة التحديات الأمنية لا ينبغي أن يحول سيادة القانون إلى مجرد هامش في جدول الأعمال، مشددين على أن الأهمية الجيوسياسية لتركيا لا يمكن أن تكون بديلًا عن الشرعية الديمقراطية واحترام المؤسسات الدستورية.
تركيا بين أهميتها الاستراتيجية والانتقادات الحقوقية
تسعى أنقرة إلى استثمار استضافتها للقمة لإبراز مكانتها المحورية داخل حلف شمال الأطلسي، مستندة إلى امتلاكها ثاني أكبر جيش في الحلف، وموقعها الجغرافي الذي يربط أوروبا بالشرق الأوسط والبحر الأسود، إضافة إلى التوسع المتواصل في صناعاتها الدفاعية، التي أصبحت أحد أبرز عناصر سياستها الخارجية خلال السنوات الأخيرة.
غير أن هذه المكانة الاستراتيجية تتزامن مع تصاعد الانتقادات الأوروبية والأمريكية بشأن أوضاع الحريات العامة، وهو ما يجعل القمة مناسبة لاختبار قدرة الحلف على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن الجماعي والتمسك بالمبادئ الديمقراطية التي يعلن أنها تشكل أحد أسس هويته السياسية.
سياق سياسي أوسع
تأتي هذه الضغوط في ظل مرحلة تشهد فيها العلاقات التركية الأوروبية تداخلًا متزايدًا بين ملفات الأمن والهجرة والطاقة والدفاع من جهة، وملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة أخرى. ورغم حاجة الدول الغربية إلى التعاون مع أنقرة في قضايا استراتيجية متعددة، فإن تزايد الانتقادات بشأن استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وملاحقة المعارضين، جعل من الصعب على الحكومات الأوروبية تجاهل هذه الملفات، خاصة مع تكرار مطالب البرلمانات والأحزاب ومنظمات حقوق الإنسان بربط الشراكات الاستراتيجية باحترام المعايير الديمقراطية.
دلالات
تعكس مواقف الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني اتجاهاً متناميًا داخل أوروبا يدعو إلى الفصل بين أهمية تركيا العسكرية داخل الناتو وبين تقييم أوضاعها الداخلية. فبينما تنظر العواصم الغربية إلى أنقرة باعتبارها شريكًا لا غنى عنه في ملفات الأمن الإقليمي والدفاع الجماعي، تتزايد الضغوط السياسية المطالبة بعدم تحويل الاعتبارات الجيوسياسية إلى مبرر لتجاهل الانتقادات المتعلقة بالحريات العامة واستقلال القضاء. ومن المرجح أن يستمر هذا التوازن الصعب في تشكيل طبيعة العلاقات التركية الأوروبية خلال المرحلة المقبلة.
خلاصة
تضع قمة الناتو في أنقرة المستشار الألماني فريدريش ميرتس أمام اختبار سياسي يتمثل في الموازنة بين متطلبات الشراكة الأمنية مع تركيا والضغوط الأوروبية المطالبة بإثارة ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان بصورة مباشرة. وفي المقابل، تسعى أنقرة إلى ترسيخ صورتها كقوة محورية داخل الحلف، رغم استمرار الانتقادات الغربية لسجلها الداخلي.

