يرى الباحث والكاتب التركي أيدوغان وطنداش أن التاريخ، وإن كان ينصف القادة الذين ناضلوا من أجل الحرية مثل أبراهام لينكولن، إلا أنه يغفل غالباً المنظومة الفكرية المعقدة التي شيدها خصومهم لشرعنة الاستعباد. فالحرب الأهلية الأمريكية لم تكن مجرد صدام عسكري، بل كانت صراعاً وجودياً بين عقيدتين: عقيدة تؤمن بالمساواة المطلقة بين البشر، وأخرى تروج لدونية فطرية لبعض الأعراق.
مأسسة الاستعلاء: من “الشر الضروري” إلى “الخير المطلق“
في مقاله بموقع (TR724) الإخباري التركي، يشير وطنداش إلى تحول جذري في الخطاب السياسي والديني في الجنوب الأمريكي، تزعمه أسماء وازنة مثل جون كالهون، نائب الرئيس الأمريكي الأسبق. كالهون لم يكتفِ باعتبار العبودية “شراً لا بد منه”، بل ارتقى بها لتكون “خيراً إيجابياً” وجزءاً من نظام إلهي وطبيعي مستقر. هذا الطرح مهد الطريق لجيفرسون ديفيس، رئيس الولايات الكونفدرالية، الذي أضفى صبغة لاهوتية على العنصرية، معتبراً أن التراتبية بين البيض والسود ليست وليدة صدفة اقتصادية، بل هي انعكاس لترتيب سماوي مسبق.
الجذور الاقتصادية وصناعة “الآخر” المتوحش
يوضح وطنداش أن الأيديولوجيا العنصرية لم تكن فطرية، بل تم طبخها على نار المصالح الاقتصادية الهادئة منذ القرن الخامس عشر. فمع انطلاق تجارة الرقيق عبر الأطلسي بدعم من الأمير البرتغالي هنري، بدأ تحول “الإنسان” إلى “سلعة”. وهنا برز دور المؤرخ غوميز إيانس دي زورارا، الذي وضع اللبنات الأولى لـ “التجريد من الإنسانية” عبر تصوير الأفارقة ككائنات تفتقر للعقل وتعيش كالحيوانات، مما حول جريمة الاختطاف والبيع إلى “مهمة حضارية” لتمدين هؤلاء “الهمج”.
تطويع النص المقدس: خديعة “لعنة حام” ونظريات ما قبل آدم
في تحليله للوسائل الدينية، يكشف أيدوغان وطنداش كيف تم تحريف النصوص الدينية لخدمة العبودية. فقد تم استدعاء قصة نوح وأبنائه لتلفيق ما عرف بـ “لعنة حام”، رغم أن النص التوراتي يتحدث عن “كنعان” ولا يذكر لون البشرة إطلاقاً. وعندما اصطدمت هذه المزاعم بحقيقة أن البشر جميعاً من نسل آدم وحواء، استحدث المنظرون نظرية “ما قبل الآدميين”، مدعين أن السود ينحدرون من سلالات سابقة وأقل شأناً لم تخضع لنفخة التكريم الإلهي لآدم، وهي تخرصات لا أصل لها في التقاليد الدينية الأصيلة، بل كانت مجرد أداة لتطمين الضمائر المستعبِدة.
آلية الإبادة: نزع الإنسانية كتمهيد للقتل
يؤكد وطنداش أن نزع الصفة البشرية (Dehumanization) هو “القاسم المشترك” و”المرحلة الأولى” في كل جرائم الإبادة والاضطهاد عبر التاريخ. فلكي تسلب حقوق إنسان أو تقتله بدم بارد، يجب أولاً إقناع المجتمع بأنه ليس “إنساناً كاملاً”. هذه الآلية هي ذاتها التي استخدمت في نظام الطوائف بالهند، وفي عهد الاستعمار، وفي ألمانيا النازية حين وُصف الضحايا بـ “الآفات” أو “الحشرات”، وصولاً إلى صراعات العصر الحديث.
إسقاطات الواقع المعاصر: الحالة التركية نموذجاً
يربط وطنداش بين هذه الجذور التاريخية وما يحدث في تركيا المعاصرة، وتحديداً في طريقة التعامل مع “حركة الخدمة”. فهو يرى أن استخدام مفردات مثل “فيروس”، “خلايا سرطانية”، “هياكل يجب تطهيرها”، أو “خونة”، ليس مجرد خطاب سياسي عابر، بل هو عملية “تجريد من الإنسانية” تهدف لشرعنة الانتهاكات الصارخة. ويستدل على خطورة هذا المنزلق بوصول الاتهامات إلى فتيات في سن الرابعة عشرة بتهم “الإرهاب” لمجرد ممارسة أنشطة اجتماعية بسيطة كالدراسة المشتركة، مما يؤكد أن المنظومة القمعية عندما تبدأ بنزع إنسانية الخصم، فإنها لا تضع حدوداً لضحاياها.
خلاصة
يرى أيدوغان وطنداش أن العبودية والإبادة لا تبدأ بالأغلال والأسلحة، بل بخطاب يسلب الضحية بشريتها ويحولها إلى “شيء” أو “خطر”، مما يجعل استعادتنا لإنسانية “الآخر” هي الحصن الوحيد ضد تكرار كوارث التاريخ.

