يقدّم الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في عمله الشهير “نحو السلام الدائم” رؤية متكاملة تتجاوز الفهم التقليدي للسلام باعتباره مجرد توقف للحروب.
ويرى الباحث التركي سليم جول، في مقال نشره موقع تركي، أن هذا العمل يشكّل أحد أهم الأسس الفكرية التي قامت عليها مبادئ القانون الدولي الحديث، إذ يطرح منظومة متكاملة من الشروط القانونية والأخلاقية والسياسية الكفيلة ببناء سلام مستدام.
كتب كانط هذا العمل في أواخر القرن الثامن عشر، في مرحلة نضجه الفكري، واضعًا تصورًا يربط بين الأخلاق والسياسة والقانون، مؤكدًا أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالقوة، بل عبر منظومة من الثقة والمسؤولية والعدالة.
أولاً: السلام ليس هدنة… بل إلغاء جذور الحرب
يرى سليم جول أن كانط يضع شرطًا حاسمًا يتمثل في رفض أي معاهدة سلام تحمل في طياتها بذور صراع مستقبلي. فالاتفاقيات التي تؤجل المواجهة دون إزالة أسبابها ليست سوى “حروب مؤجلة”.
ويعزز التاريخ هذا الطرح، كما يظهر في معاهدة “فرساي” التي مهّدت الطريق لاندلاع الحرب العالمية الثانية، نتيجة ما زرعته من مشاعر الانتقام وعدم التوازن.
من هنا، يشدد كانط على الشفافية ووضوح النوايا، معتبرًا أن أي اتفاق لا يقوم على الصراحة والعدالة يفقد شرعيته الأخلاقية والقانونية.
ثانياً: سيادة الدول ليست سلعة قابلة للتداول
يؤكد سليم جول أن كانط يرفض بشكل قاطع التعامل مع الدول كأنها ممتلكات يمكن بيعها أو توريثها أو تبادلها. فالدولة، وفقًا لهذا التصور، تمثل الإرادة الجماعية لشعبها، ولا يجوز نقلها كما تُنقل السلع.
هذا المبدأ يشكّل اليوم أحد أعمدة القانون الدولي، حيث تُعدّ السيادة ووحدة الأراضي خطوطًا حمراء، وأي انتهاك لها يفتح الباب لصراعات طويلة الأمد.
ثالثاً: عسكرة العالم تهديد دائم للسلام
ينتقد كانط وجود الجيوش الدائمة، معتبرًا أنها تخلق بيئة جاهزة للحرب. ويشير سليم جول إلى أن التسلح المستمر لا يضمن الأمن، بل يغذي ما يُعرف في العلوم السياسية بـمعضلة الأمن، حيث يؤدي تسلح دولة ما إلى دفع الآخرين للتسلح، ما يزيد من احتمالات التصعيد.
كما أن الأعباء الاقتصادية لهذه الجيوش قد تدفع الدول إلى البحث عن صراعات خارجية لتبرير نفقاتها، مما يحوّل الحرب إلى أداة سياسية.
رابعاً: تمويل الحروب بالدَّين… عبء أخلاقي مؤجل
يبرز سليم جول قراءة كانط العميقة لمسألة التمويل، إذ يحذر من لجوء الدول إلى الاقتراض لتمويل الحروب، لأن ذلك ينقل كلفة الصراع إلى أجيال لم تشارك في اتخاذ القرار.
ويؤكد أن هذا السلوك يخلق اختلالًا أخلاقيًا، حيث تتحول الشعوب إلى أدوات لخدمة سياسات قصيرة النظر، كما يفتح الباب أمام تبعيات اقتصادية وسياسية تهدد استقلال القرار الوطني.
خامساً: مبدأ عدم التدخل كشرط للاستقرار الدولي
يشدد كانط على ضرورة الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما يراه سليم جول حجر أساس في بناء نظام دولي مستقر.
لكن هذا المبدأ يظل محل نقاش في ظل الأزمات الإنسانية المعاصرة، حيث يتقاطع مع مفاهيم مثل “مسؤولية الحماية”، مما يعكس تعقيد العلاقة بين السيادة والاعتبارات الأخلاقية.
سادساً: أخلاقيات الحرب… ضرورة لحماية السلام
حتى في أوقات الحرب، يصر كانط على ضرورة الالتزام بضوابط أخلاقية، كتحريم الاغتيالات والخداع ونقض العهود. ويشير سليم جول إلى أن هذا التصور وجد صداه لاحقًا في اتفاقيات جنيف التي نظّمت سلوك الدول أثناء النزاعات.
كما يتجلى امتداد هذا الفكر في معاهدات حديثة مثل حظر الأسلحة النووية، ما يعكس استمرارية تأثير فلسفة كانط.
سابعاً: الديمقراطية بوابة السلام
يرى كانط أن الأنظمة الجمهورية – التي تقوم على تمثيل الشعب – أقل ميلًا للحروب، لأن كلفة الصراع تقع مباشرة على المواطنين. ويؤكد سليم جول أن هذا الطرح يشكل أساس نظرية “السلام الديمقراطي” في الفكر السياسي الحديث.
ثامناً: نحو نظام دولي قائم على التعاون
يقترح كانط إنشاء اتحاد بين الدول يحفظ استقلالها، لكنه يربطها بقواعد قانونية مشتركة. ويقارن سليم جول هذا التصور بمؤسسات معاصرة مثل الأمم المتحدة، التي تسعى لتنظيم العلاقات الدولية وتقليل النزاعات.
تاسعاً: الإنسان محور النظام العالمي
يبرز مفهوم “المواطنة العالمية” كأحد عناصر السلام، حيث يدعو كانط إلى ضمان حقوق الأفراد أثناء تنقلهم بين الدول، ضمن إطار قانوني يحفظ كرامتهم دون المساس بسيادة الدول.
عاشراً: التاريخ ليس فوضى… بل مسار نحو النظام
يقدم كانط رؤية فلسفية عميقة يعتبر فيها أن الصراعات، رغم قسوتها، قد تساهم في دفع البشرية نحو نظام أكثر توازنًا. ويصف هذا المسار بمفهوم “العناية الإلهية”، حيث تتجه الإنسانية – رغم تناقضاتها – نحو تحقيق قدر أكبر من العدالة.
حادي عشر: دور الفلاسفة في توجيه السياسة
يختتم كانط رؤيته بالدعوة إلى إشراك الفلاسفة في توجيه السياسات، معتبرًا أن القوة دون حكمة تقود إلى الدمار، بينما يمكن للفكر الأخلاقي أن يوجّه القوة نحو حفظ السلام.
هل ما زالت أفكار كانط صالحة اليوم؟
يرى سليم جول أن عالم اليوم، رغم تطوره، لا يزال بعيدًا عن تحقيق رؤية كانط. فالحروب الحديثة، والتسلح المتزايد، والصراعات الجيوسياسية، كلها تعكس استمرار منطق القوة.
لكن في المقابل، فإن تصاعد دور القانون الدولي، وتنامي الوعي بحقوق الإنسان، وظهور مؤسسات دولية، كلها مؤشرات على أن العالم – وإن ببطء – يسير في الاتجاه الذي تصوره كانط.

