شهدت مدينة إسطنبول إحياء الذكرى السنوية الثالثة والسبعين بعد الخمسمئة لفتح القسطنطينية، حيث تداخل البعدان الديني والتاريخي في فعاليات واسعة النطاق، كان أبرزها أداء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صلاة الجمعة داخل مسجد آيا صوفيا، في حدث يعكس استمرار توظيف الرمزية العثمانية في الخطاب السياسي التركي المعاصر.
حضور رئاسي ورسائل رمزية
شارك أردوغان في صلاة الجمعة داخل آيا صوفيا، التي عادت إلى وضعها كمسجد منذ عام 2020، عقب قرار قضائي ألغى مرسوم تحويلها إلى متحف. وفي تصريحات للصحفيين بعد الصلاة، وصف أردوغان الأجواء بأنها “جميلة ومهيبة”، مشيرًا إلى الحشود الكبيرة التي شاركت في الصلاة، إضافة إلى المسيرة التي انطلقت من منطقة الفاتح باتجاه آيا صوفيا، في استحضار رمزي لشخصية السلطان محمد الثاني، الملقب بـ”الفاتح”.
وبرزت تصريحات لأردوغان حملت أبعادًا رمزية وسياسية، حيث أعاد توظيف مفاهيم تاريخية مثل “بيزنطة” و”الفتح” ضمن خطاب معاصر يتداخل فيه الديني بالسياسي، والرمزي بالهوياتي.
أشار أردوغان، في هذا الإطار، إلى ما وصفه بـ”البيزنطيين الداخليين” أو “البيزنطيين الخفيين”، في إشارة تُفهم ضمنيًا على أنها نقد لفئات داخل المجتمع التركي يُنظر إليها باعتبارها مناقضة للرؤية الحضارية التي يتبناها التيار المحافظ. هذا الطرح يأتي ضمن نمط متكرر في الخطاب السياسي، يقوم على إعادة إنتاج ثنائية “نحن” مقابل “هم”، بما يعزز حالة الاستقطاب الداخلي.
آيا صوفيا كرمز سياسي وديني
تحضر آيا صوفيا في هذا الخطاب بوصفها رمزًا مركزيًا، ليس فقط من حيث قيمتها التاريخية، بل كأداة تعبير عن “استعادة السيادة الحضارية”. إعادة فتحها للصلاة عام 2020 لم تكن مجرد قرار إداري، بل خطوة محمّلة بدلالات سياسية عميقة، استهدفت مخاطبة القاعدة المحافظة والقومية.
وقد سبق أن تجلت هذه الرمزية في مشاهد افتتاحها، مثل صعود رئيس الشؤون الدينية إلى المنبر وهو يحمل سيفًا، في استحضار مباشر لرمزية الفتح العثماني، ما يعكس توظيفًا واعيًا للتاريخ في تشكيل الوعي السياسي المعاصر.
توظيف الأزمات وإعادة تشكيل الخطاب
ضمن هذا السياق، يُلاحظ أن هذا النوع من الخطاب يتصاعد غالبًا في فترات التوتر الاقتصادي أو السياسي، حيث يتم اللجوء إلى مفاهيم كبرى مثل “الحضارة” و”الهوية” و”الإرث التاريخي” لإعادة تعبئة الجمهور. هذه الأدوات الخطابية تعمل على خلق شعور بالانتماء والاصطفاف، خصوصًا لدى الفئات التي تبحث عن معنى أوسع لهويتها الفردية ضمن إطار جماعي.
قراءة تحليلية
ويرى مراقبون أن هذه التصريحات يمكن فهمها ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز التماسك داخل القاعدة المحافظة والقومية، وإعادة إنتاج الاستقطاب السياسي عبر مفاهيم تاريخية، وتحويل الرموز الدينية إلى أدوات تعبئة سياسية، وتوجيه النقاش العام بعيدًا عن الأزمات المعيشية نحو قضايا هوية كبرى.
خطاب آيا صوفيا و”البيزنطيين الداخليين” يعكس توظيفًا مكثفًا للتاريخ والرموز الدينية في إدارة الصراع السياسي الداخلي في تركيا، كما يكشف عن استمرار اعتماد الاستقطاب الهوياتي كأداة رئيسية في المشهد السياسي المعاصر، خاصة وسط قرار البطلان المطلق الذي أطاح بأوزغور أوزل من زعامة حزب الشعب الجمهوري ليأتي بدلا منه كمال كليتشدار أوغلو المتوافق مع توجهات الحزب الحاكم.
الجذور التاريخية للحدث
يعود فتح القسطنطينية إلى التاسع والعشرين من مايو عام 1453، حين نجح السلطان محمد الثاني في إسقاط المدينة، منهياً بذلك الإمبراطورية البيزنطية، ومؤسساً لمرحلة جديدة جعلت من إسطنبول عاصمة للدولة العثمانية. ويُنظر إلى هذا الحدث في الخطاب الرسمي التركي، خصوصًا في الأوساط المحافظة، بوصفه “فتح إسطنبول”، مع تأكيد على أبعاده الإسلامية والحضارية.
آيا صوفيا بين التحولات السياسية والدينية
تمثل آيا صوفيا إحدى أكثر القضايا حساسية في الداخل التركي وعلى المستوى الدولي. فقد بُنيت في القرن السادس الميلادي في عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، وكانت لقرون مركزًا رئيسيًا للمسيحية الأرثوذكسية. وبعد الفتح العثماني، تحولت إلى مسجد، قبل أن تُحوَّل إلى متحف في عام 1934 في إطار توجهات الجمهورية التركية العلمانية.
قرار إعادة فتحها للصلاة في عام 2020 شكّل نقطة تحول مفصلية، حيث اعتبره أنصار أردوغان تحقيقًا لمطلب تاريخي ذي طابع ديني وقومي، في حين أثار انتقادات حادة من اليونان، والكنائس الأرثوذكسية، ومنظمات دولية معنية بحماية التراث، التي رأت فيه مساسًا بالطابع العالمي المشترك للموقع.
أبعاد سياسية معاصرة
يأتي إحياء ذكرى الفتح في سياق داخلي وإقليمي حساس، حيث يواصل حزب العدالة والتنمية توظيف الرموز العثمانية والدينية لتعزيز قاعدته الشعبية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه تركيا. كما يعكس الحدث استمرار التوترات الرمزية مع بعض الأطراف الدولية، لا سيما فيما يتعلق بإدارة الإرث التاريخي المشترك.
في السياق الأحدث، تتزايد الإشارات إلى أن الحكومة التركية تسعى إلى ترسيخ خطاب “الهوية الحضارية” كجزء من رؤيتها للسياسة الداخلية والخارجية، وهو ما يظهر بوضوح في المناسبات ذات الطابع التاريخي مثل ذكرى الفتح.
مكانة آيا صوفيا العالمية
رغم التحولات السياسية والدينية التي شهدتها، لا تزال آيا صوفيا مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، باعتبارها جزءًا من “المناطق التاريخية في إسطنبول”، ما يجعلها نقطة تقاطع بين الاعتبارات الوطنية والالتزامات الدولية المتعلقة بحماية التراث الثقافي.
خلاصة
إحياء ذكرى فتح القسطنطينية في إسطنبول يتجاوز كونه مناسبة تاريخية، ليصبح أداة سياسية وثقافية تعكس توجهات تركيا المعاصرة وهويتها المتنازع عليها بين الإرث العثماني والعلمانية الحديثة. آيا صوفيا تظل في قلب هذا الجدل، كرمز ديني وتاريخي عالمي يتقاطع فيه المحلي مع الدولي.

