تتجه الأنظار في المشهد السياسي التركي نحو الخطوة المرتقبة لأوزغور أوزيل المتمثلة في تدشين حزب سياسي جديد، وهي الخطوة التي أحدثت هزة في الأوساط السياسية مع تواتر الأنباء عن انضمام نحو مائة برلماني كأعضاء مؤسسين في هذا الكيان. ويطرح هذا التحول تساؤلاً جوهرياً حول هوية الحزب الجديد: هل سيكون البديل الحقيقي القادر على زحزحة السلطة القائمة، أم سيتحول إلى “نسخة ثانية” مكررة من حزب الشعب الجمهوري بآفاته التاريخية؟
المسارات المتناقضة: البديل الاستراتيجي أم التكرار العقيم
يقف أوزغور أوزيل وفريقه أمام مفترق طرق حاسم يحدد مصير تجربتهم السياسية، حيث يتأرجح الحزب بين خيارين لا ثالث لهما:
بناء بديل سياسي وطني
يتطلب هذا المسار التركيز المطلق على احتياجات الشارع، وتقديم حلول واقعية للأزمات المعيشية، مع تبني لغة جامعة تنهي حالة الاستقطاب الحاد التي تنهك الدولة. إن التحول إلى “حزب مركز” ديمقراطي يستلزم التخلي عن أدوات السلطة الخطابية، وعدم الانجرار وراء مفاهيمها، بل صياغة هوية تجمع بين أطياف اليسار واليمين الديمقراطي في إطار شراكة استراتيجية عابرة للأيديولوجيات.
فخ “النسخة الثانية” من حزب الشعب الجمهوري
يتمثل الخطر الأكبر في إعادة إنتاج سياسة “الفرد الواحد” والارتهان للعقلية القديمة التي تخدم الكرسي لا القاعدة الشعبية. هذا المسار يعني اجترار الأخطاء ذاتها، حيث يظل الحزب حبيساً لنخبوية تعزل نفسه عن نبض الأناضول، وهو ما يخدم بقاء السلطة الحالية بشكل مباشر.
مفهوم “التحرر من العقلية التقليدية“
يثير مصطلح “التحرر من إرث حزب الشعب الجمهوري” حساسية لدى بعض القواعد، لكن السياق التحليلي يشير إلى أن المقصود ليس التخلي عن مبادئ الجمهورية أو العلمانية أو المؤسس مصطفى كمال أتاتورك، بل فك الارتباط مع “النخبوية المتجذرة” داخل مفاصل الدولة. تاريخياً، استغلت فئة معينة هذه المبادئ لفرض هيمنتها الطبقية، مما جعل الحزب يبدو كأنه ملكية خاصة لزمرة معينة بدلاً من أن يكون ملكاً لجميع المواطنين. إن النجاح يكمن في تحويل هذه القيم إلى إرث وطني جامع يشعر فيه المزارع في أقصى حدود البلاد وأصغرها بأنه صاحب حق وصوت، تماماً كالمثقف في مراكز المدن.
التحالفات العابرة والكتلة الديمقراطية
تكمن القوة الكامنة للحزب الجديد في قدرته على استثمار نجاحات شخصيات مثل أكرم إمام أوغلو ومنصور يافاش، اللذين استطاعا كسر القوالب التقليدية واختراق كتل تصويتية كانت محسوبة تاريخياً على اليمين والمحافظين. إن الرهان الحقيقي يتمثل في تشكيل “حزب تركيا الديمقراطي” الذي يضم تحت مظلته القوى الصاعدة مثل أحزاب “دواء” و”المستقبل” و”الرفاه من جديد”، والشخصيات القيادية المنسحبة من عباءة الحزب الحاكم والباحثة عن مسار ديمقراطي جديد، مثل عبد الله غول وحسين جيليك، فضلا عن القواعد الشعبية التي ترغب في التغيير ولكنها تخشى العودة إلى عهود الوصاية القديمة.
كابوس السلطة وسيناريوهات المواجهة
تدرك السلطة الحالية أن تشكل “حزب ديمقراطي مركزي” قوي هو التهديد الأكبر لبقائها، لأنه يسحب البساط من تحت قدميها في المناطق التي تعتبرها معاقل حصينة. ولذلك، تتوقع القراءات التحليلية مواجهات قاسية تشمل تفعيل ملفات قضائية لرفع الحصانة عن أوزيل ونحو عشرين برلمانيًا مؤسسًا، مما قد يمهد الطريق للسجن، وتشديد الحصار على الوسائل الإعلامية الداعمة، كما يظهر في قضايا استهداف “خلق تي في” وصحيفة “جمهوريت”، وتهديد واضح لجيل صانعي المحتوى الرقمي المؤثرين في الشباب.
صراع الأجيال وظلال “الدولة العميقة“
يواجه أوزيل ضغوطاً من “الحرس القديم” والشخصيات التي توصف بأنها تحمل شيفرات “الدولة العميقة” السابقة، مثل أوندر ساف، وإيلكر باشبوغ وآليف جوشكون. هؤلاء يسعون لتأطير الحزب الجديد ضمن قالب أيديولوجي ضيق (قومي متطرف)، وهو ما سيؤدي حتماً إلى نفور الناخب المحافظ والكردي، ويحرم الحزب من فرصة أن يكون بديلاً حقيقياً للسلطة، بصورة تتوافق مع رغبات نظام أردوغان.
إن التحدي الراهن أمام أوزغور أوزيل هو إعلان “الاستقلال السياسي” عن هذه الدوائر القديمة، والتأكيد على أن العلمانية والجمهورية ملك للشعب وليست حكراً على زمرة معينة. فإذا استطاع الحزب أن يمثل “المواطنة العالمية” وسيادة القانون والرفاه الاقتصادي بعيداً عن الفرز الأيديولوجي، فإنه سيفتح صفحة جديدة في تاريخ السياسة التركية.
خلاصة
إن نجاح حزب أوزغور أوزيل مرهون بقدرته على التحول إلى مغناطيس سياسي يجذب المترددين والناقمين على الوضع الاقتصادي، شريطة ألا يسقط في فخ الصراعات الداخلية أو الارتهان لعقليات الماضي التي أثبتت فشلها في الوصول إلى الحكم طيلة عقود.

