بقلم: ياوز أجار
لم تعد المواجهة الدائرة حول إيران تُقاس بعدد الضربات العسكرية أو بمساحة الاشتباك المباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل باتت تُقاس بقدرة طهران على إعادة توزيع مراكز التوتر داخل الإقليم. فكلما تعرضت إحدى أدواتها الاستراتيجية للضغط، اتجهت إلى فتح مساحة جديدة للصراع، بما يحافظ على قدرتها على المناورة ويمنع خصومها من فرض معادلة ردع أحادية.
هذا التحول يعكس انتقالاً من الدفاع عن النفوذ إلى إدارة شبكة واسعة من ساحات الضغط المتزامنة، تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، مروراً بالعراق واليمن، في محاولة لإعادة صياغة البيئة الأمنية الإقليمية بما يخدم المصالح الإيرانية على المدى الطويل.
الخليج يدخل مرحلة أكثر حساسية
تزايدت خلال الفترة الأخيرة المؤشرات التي توحي بأن الكويت باتت ضمن دائرة الاهتمام الأمني الإيراني، بعد تصاعد الخطاب الصادر عن وسائل إعلام ومؤسسات مقربة من طهران، والتي ربطت بين الوجود العسكري الأمريكي في الكويت واحتمالات التصعيد.
ورغم أن هذا الوجود العسكري قائم منذ عقود في إطار تفاهمات دفاعية معروفة، ولم يكن يشكل منصة رئيسية للهجمات الأمريكية الأخيرة، فإن توظيفه في الخطاب الإيراني يكشف محاولة لإعادة تعريف ساحات المواجهة وتوسيعها لتشمل دولاً لم تكن جزءاً مباشراً من الصراع.
ولا تقتصر دلالة هذه الرسائل على مضمونها السياسي، بل تمتد إلى توقيتها، إذ جاءت في مرحلة تواجه فيها إيران ضغوطاً عسكرية واقتصادية متزايدة، الأمر الذي يجعل توسيع نطاق التهديد جزءاً من استراتيجية ردع تهدف إلى رفع كلفة أي تحرك ضدها.
باب المندب… البديل الاستراتيجي لهرمز
ظل مضيق هرمز لعقود الورقة الأهم في الاستراتيجية الإيرانية، إذ منح طهران قدرة على التأثير في أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية. غير أن الضغوط العسكرية المتزايدة، وتشديد الرقابة البحرية على السواحل الإيرانية، جعلا استخدام هذه الورقة أكثر تعقيداً.
في المقابل، برز البحر الأحمر، وبالتحديد مضيق باب المندب، باعتباره المجال الأكثر ملاءمة لإعادة إنتاج أدوات الضغط. ويؤدي الحوثيون دوراً محورياً في هذه المعادلة، إذ يوفر وجودهم على الساحل الغربي لليمن قدرة على تهديد أحد أكثر الممرات البحرية حيوية في العالم.
ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى التحركات الحوثية باعتبارها امتداداً للحرب في اليمن فحسب، بل بوصفها جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى توزيع مراكز النفوذ البحري بين الخليج والبحر الأحمر، بما يقلل من أثر أي تراجع في أهمية مضيق هرمز كورقة تفاوضية.
الوكلاء… ركيزة الاستراتيجية الإيرانية
تكشف التطورات الأخيرة استمرار اعتماد طهران على سياسة “العمق غير المباشر”، التي تقوم على إدارة الصراعات عبر حلفاء محليين بدلاً من الانخراط المباشر.
وقد أثبت هذا النموذج، من وجهة نظر صناع القرار الإيراني، أنه يوفر مزايا عديدة، أبرزها تقليص احتمالات المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى، والاحتفاظ بإمكانية التصعيد أو التهدئة وفق مقتضيات اللحظة السياسية، إلى جانب الحد من الكلفة القانونية والدبلوماسية.
ولهذا يُتوقع أن يظل الحوثيون في اليمن، والفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق، من أهم أدوات الضغط في المرحلة المقبلة، خاصة إذا استمرت الضغوط العسكرية على الداخل الإيراني.
أمن الملاحة يتحول إلى قضية عالمية
لم تعد تهديدات البحر الأحمر شأناً إقليمياً فحسب، بل أصبحت قضية تمس الاقتصاد العالمي بصورة مباشرة. فتعطيل الملاحة في باب المندب ينعكس فوراً على سلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
ولهذا السبب، لا تقتصر الأطراف المعنية بأمن البحر الأحمر على دول المنطقة، بل تشمل أيضاً الصين والهند والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وجميعها تعتمد بدرجات متفاوتة على استمرار انسياب التجارة عبر هذا الممر البحري.
ويفسر ذلك تنامي الحضور البحري الدولي في المنطقة، وازدياد الدعوات إلى حماية حرية الملاحة باعتبارها مصلحة دولية تتجاوز الحسابات السياسية المحلية.
باكستان… بين التحالف مع الرياض والجوار مع طهران
في موازاة هذه التحولات، برز الموقف الباكستاني بوصفه أحد أكثر المواقف توازناً وحذراً.
فإسلام آباد أعلنت بوضوح أن أمن المملكة العربية السعودية يمثل أولوية استراتيجية، محذرة من أي محاولات لاستدراج الرياض إلى دائرة الحرب، لكنها في الوقت نفسه تحرص على تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران، بحكم الجوار الجغرافي وتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية.
ولا ينبع هذا الموقف من اعتبارات سياسية فقط، بل يرتبط أيضاً بحسابات اقتصادية معقدة، إذ تعتمد باكستان بصورة كبيرة على استقرار أسواق الطاقة الخليجية، كما تستفيد من تحويلات ملايين الباكستانيين العاملين في السعودية ودول الخليج.
ومن ثم فإن أي اضطراب طويل في الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الباكستاني، وهو ما يدفع القيادة هناك إلى تفضيل احتواء الأزمة دبلوماسياً على اتساعها عسكرياً.
هل تتغير قواعد النظام الإقليمي؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل الحرب، وإنما بطبيعة النظام الأمني الذي قد ينشأ بعدها.
فإذا تمكنت إيران من تثبيت نفوذها في أكثر من ممر بحري، فإنها ستكون قد نجحت في إعادة توزيع أوراق القوة الإقليمية، حتى وإن تعرضت لخسائر في ساحات أخرى. أما إذا تمكنت القوى الإقليمية والدولية من احتواء هذه المحاولات، فقد يشهد الشرق الأوسط مرحلة جديدة تقوم على ترتيبات أمنية أكثر تشدداً تجاه الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
وفي الوقت نفسه، تبدو دول الخليج أكثر اقتناعاً بأن حماية أمنها لم تعد تعتمد فقط على القدرات الوطنية أو التحالفات الثنائية، وإنما تتطلب إطاراً جماعياً أكثر تماسكاً، يربط بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر باعتبارهما جبهة استراتيجية واحدة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
تشير المؤشرات إلى أن المنطقة تقف أمام ثلاثة مسارات رئيسية.
المسار الأول يتمثل في نجاح الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد، مع استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية دون توسع عسكري كبير.
أما المسار الثاني فيقوم على استمرار الحرب بالوكالة، مع تصاعد الهجمات عبر الحوثيين والفصائل المسلحة، دون انتقال المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة.
في حين يبقى المسار الثالث، وهو الأكثر خطورة، مرتبطاً باحتمال انتقال المواجهة إلى دول الخليج أو تعطل واسع لحركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو سيناريو من شأنه أن يدفع القوى الدولية إلى تدخل أكثر مباشرة لحماية المصالح الاقتصادية العالمية.
خلاصة
لم تعد الأزمة الراهنة مجرد مواجهة بين أطراف متنازعة، بل أصبحت صراعاً على إعادة تعريف الجغرافيا الأمنية للشرق الأوسط. فإيران تحاول تعويض الضغوط المفروضة عليها بإنتاج ساحات نفوذ جديدة، بينما تسعى الدول العربية وشركاؤها إلى منع انتقال الصراع إلى الممرات البحرية والدول المجاورة.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد تدور فقط حول وقف إطلاق النار أو إنهاء العمليات العسكرية، بل حول شكل التوازنات التي ستحدد مستقبل الإقليم، ومن ستكون له اليد العليا في رسم قواعد النظام الأمني الجديد.

