كشف تقرير حقوقي صادر عن مجموعة “محامون من أجل العدالة”، وهي تجمع قانوني مقرب من حزب العمال التركي (TİP)، أن السلطات التركية شنت واحدة من أوسع الحملات الأمنية خلال الفترة التي سبقت انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة يومي السابع والثامن من يوليو/تموز الحالي، أسفرت عن توقيف ما لا يقل عن 668 شخصًا في عمليات أمنية ومداهمات واحتجاجات شهدتها عدة مدن، بينما أودع 179 شخصًا السجن على ذمة المحاكمة في أكبر القضايا المرتبطة بالقمة.
ويرى معدو التقرير أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات تجاوزت حدود الضرورة الأمنية، وأدت إلى تقييد جملة من الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور التركي والاتفاقيات الدولية، بما في ذلك الحق في الحرية الشخصية، وحرية التجمع السلمي، وحرية التعبير والإعلام، وحرية التنقل، إضافة إلى الحق في الحصول على المساعدة القانونية والدفاع.
حملة أمنية بدأت قبل القمة بأسابيع
أوضح التقرير أن أكبر العمليات الأمنية انطلقت في 23 يونيو/حزيران بقرار من النيابة العامة في أنقرة، حيث نفذت الشرطة حملة مداهمات واسعة انتهت بتوقيف 225 شخصًا.
وبعد استكمال الإجراءات، أحيل 220 موقوفًا إلى القضاء، الذي قرر حبس 179 شخصًا احتياطيًا بانتظار محاكمتهم، بينما فرض الإقامة الجبرية على 34 آخر، في واحدة من أكبر عمليات التوقيف الجماعية التي شهدتها تركيا خلال العام الجاري.
توسع الاعتقالات في عدة ولايات
ولم تقتصر الإجراءات الأمنية على العاصمة أنقرة، بل امتدت إلى عدد كبير من المحافظات التركية بالتزامن مع انعقاد القمة.
وبحسب التقرير، تم توقيف أكثر من 150 شخصًا خلال مظاهرات مناهضة لحلف الناتو شهدتها ست مدن في الخامس من يوليو/تموز، كما أوقفت السلطات 39 شخصًا في عمليات مداهمة متزامنة جرت في تسع ولايات في اليوم نفسه.
وشملت الحصيلة كذلك توقيف 61 شخصًا ضمن تحقيق انطلق من ولاية إزمير، و74 شخصًا خلال احتجاجات شهدتها أنقرة في السابع من يوليو/تموز، و12 شخصًا أثناء مظاهرة في منطقة بيوغلو بمدينة إسطنبول.
وأشار التقرير إلى أن إجمالي عدد الموقوفين البالغ 668 شخصًا لا يمكن مطابقته بالكامل مع الأرقام التفصيلية الواردة في مختلف القضايا، موضحًا أن طريقة احتساب العدد الإجمالي لم تُشرح بصورة دقيقة، ومن المحتمل أن تتضمن بعض الحالات تكرارًا أو ملفات لم يُفصل فيها بشكل مستقل.
اتهامات بانتهاك حق الدفاع
أفاد محامون تابعوا القضايا بأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في الوصول إلى موكليهم خلال فترة الاحتجاز، مؤكدين وجود ادعاءات بسوء معاملة بعض الموقوفين.
وبحسب التقرير، فإن القيود المفروضة على التواصل بين المحامين والمحتجزين أثرت بصورة مباشرة على حق المتهمين في الحصول على دفاع قانوني فعال، وهو ما اعتبره التقرير انتهاكًا لضمانات المحاكمة العادلة.
حظر واسع للتجمعات والفعاليات العامة
رصد التقرير فرض السلطات التركية قيودًا غير مسبوقة على الأنشطة العامة قبيل انعقاد القمة.
ففي أنقرة، فُرض حظر شامل استمر 13 يومًا على المظاهرات والمسيرات والاعتصامات والمؤتمرات الصحفية وسائر التجمعات العامة، فيما طبقت قيود مشابهة تراوحت مدتها بين ثمانية وأربعة عشر يومًا في عشر ولايات أخرى.
ورأت مجموعة “محامون من أجل العدالة” أن هذه الإجراءات لم تكن استجابة لمخاطر أمنية محددة، وإنما أدت عمليًا إلى تعطيل الحق الدستوري في التجمع السلمي.
وامتدت القيود لتشمل إلغاء أو تعليق الندوات العلمية، وحفلات التخرج، والمهرجانات، والحفلات الموسيقية، وسائر الفعاليات الجماهيرية في العاصمة.
تأثيرات واسعة على الحياة اليومية
أدى انعقاد القمة كذلك إلى اضطرابات كبيرة في حركة النقل والحياة العامة داخل أنقرة.
فقد فرضت السلطات قيودًا مؤقتة على حركة الطيران في مطار إيسنبوغا الدولي، كما أغلقت طرقًا رئيسية، ومنعت سائقي الدراجات النارية العاملين في خدمات التوصيل من استخدام عدد من الطرق المحيطة بالمجمع الرئاسي والفنادق التي استضافت الوفود الأجنبية.
قيود على الإعلام والمنصات الرقمية
وأشار التقرير إلى أن الإجراءات لم تقتصر على الجانب الأمني، بل طالت أيضًا المجال الإعلامي والفضاء الرقمي.
فوفق البيانات التي استند إليها التقرير، جرى في البداية حجب أكثر من 20 حسابًا على منصة إكس (X) تعود لصحفيين وأكاديميين ونشطاء في مجالات حقوق المرأة وحقوق مجتمع الميم ومنظمات مدنية أخرى.
كما رفض مكتب الاتصالات الاستراتيجية لحلف الناتو منح الاعتماد الإعلامي لما لا يقل عن ثمانية صحفيين يعملون في مؤسسات إعلامية تركية معارضة.
وفي السياق ذاته، دعا المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون التركي (RTÜK) القنوات التلفزيونية إلى مراعاة ما وصفه بـ”المصلحة العامة” و”منظور الأمن القومي” في تغطية الأخبار والبرامج الحوارية المتعلقة بالقمة.
تكلفة مالية تجاوزت 11 مليار ليرة
إلى جانب الجوانب الأمنية، قدّر التقرير أن الإنفاق المرتبط باستضافة القمة تجاوز 11 مليار ليرة تركية، أي ما يعادل نحو 233 مليون دولار، وشمل إنشاء وتأهيل الطرق، وأعمال التشجير والتنسيق الحضري، وترميم واجهات المباني، وإعادة تأهيل مدرجات المطار والبنية التحتية المرتبطة باستقبال الوفود.
أردوغان يدافع عن الإجراءات
في المقابل، دافع الرئيس رجب طيب أردوغان عن التدابير الأمنية التي رافقت القمة، مؤكدًا أن الحكومة “لم تترك شيئًا للصدفة”، وأن جميع الإجراءات التي اتخذت كانت متناسبة مع حجم التحديات الأمنية المرتبطة باستضافة حدث دولي بهذا المستوى.
إلا أن الرئيس لم يتطرق، بحسب التقرير، إلى الاتهامات التي وجهتها منظمات حقوقية باستخدام أجواء القمة لاستهداف صحفيين ومحامين وأكاديميين وطلاب ونقابيين ونشطاء بيئيين وأعضاء في أحزاب وتنظيمات يسارية.
تطورات سياقية
كانت قمة الناتو التي استضافتها أنقرة قد اكتسبت أهمية استثنائية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، والحرب المستمرة في أوكرانيا، والجدل المتزايد داخل الحلف بشأن الإنفاق الدفاعي والأمن الأوروبي ودور تركيا في معادلات الشرق الأوسط والبحر الأسود.
ورافق انعقاد القمة حضور أمني مكثف وإجراءات استثنائية في العاصمة، في وقت أثارت فيه القيود المفروضة على الاحتجاجات والتغطية الإعلامية انتقادات منظمات حقوق الإنسان، التي اعتبرت أن السلطات وسعت نطاق التدابير الأمنية إلى ما يتجاوز متطلبات حماية القمة.

