عاد ملف التسوية بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK) إلى واجهة المشهد السياسي، بعدما ربط الحزب بشكل صريح نجاح التشريع المرتقب الخاص بعملية السلام بإطلاق سراح زعيمه التاريخي عبد الله أوجلان، مؤكدا أن أي قانون يستثنيه أو يستبعد القيادات العليا للحزب لن يؤدي إلى إنهاء الصراع، بل سيقوض المسار برمته.
وجاء هذا الموقف في بيان مكتوب أصدره الحزب ونشرته وكالة “فرات” المقربة منه، في وقت تتواصل فيه الاتصالات السياسية بين الحكومة التركية والأحزاب المعنية لصياغة ما يعرف بـ”القانون الإطاري” الذي يفترض أن ينظم المرحلة التالية من عملية نزع السلاح وإنهاء الصراع الممتد منذ أربعة عقود.
الحزب: استبعاد أوجلان يعني إفشال العملية منذ بدايتها
أكد حزب العمال الكردستاني أن أي إطار قانوني لا يضمن “الحرية الجسدية” لعبد الله أوجلان لن يكون قادرا على معالجة جذور الأزمة، معتبرا أن استبعاد الشخصية التي قادت الحركة لعقود من أي تسوية سياسية يعد بمثابة “تخريب متعمد” للعملية.
وشدد الحزب على أن القانون المرتقب ينبغي ألا يقتصر على معالجة أوضاع المقاتلين الذين سيلقون السلاح، وإنما يجب أن يشمل جميع أعضاء الحزب، من القيادات العليا وحتى المقاتلين في الميدان، مع توفير ضمانات قانونية تسمح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية والمدنية.
وأضاف أن نقل نزاع استمر نحو خمسين عاما من الميدان العسكري إلى الإطار القانوني والسياسي لا يمكن أن يتحقق إذا بقيت القيادة التاريخية للحركة خارج هذا المسار، معتبرا أن تجاهل هذا الجانب سيحول دون الوصول إلى تسوية مستدامة.
رفض حصر المبادرة في ملف نزع السلاح
ورأى الحزب أن التركيز الحكومي على مسألة تسليم الأسلحة وحدها لا يكفي لإنجاح العملية، مؤكدا أن القضية الكردية تتجاوز البعد الأمني وتتطلب معالجة سياسية وقانونية شاملة.
كما طالب بأن تتم صياغة التشريع الجديد بالتشاور المباشر مع عبد الله أوجلان، باعتباره – بحسب الحزب – أحد الأطراف الأساسية في العملية، وليس مجرد سجين يقضي عقوبة.
واعتبر أن اختزال الملف في إجراءات نزع السلاح فقط لن يحقق سلاما دائما، بل سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة في المستقبل.
لقاء جديد بين وفد حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” وأوجلان
بالتزامن مع صدور بيان الحزب، عقد وفد “إمرالي” التابع لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM Party)، والذي يضم بيرفين بولدان، ومثلت سنجار، والمحامي أوزغور فائق إيرول، اجتماعا مع عبد الله أوجلان داخل سجنه في جزيرة إمرالي.
وجاء اللقاء في إطار المشاورات المتعلقة بالتشريع الجديد، بعد سلسلة اتصالات أجراها الوفد مع نائب رئيس حزب العدالة والتنمية إفكان آلا، ورئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، في محاولة لبناء توافق سياسي حول المرحلة المقبلة.
وأكد مسؤولو الحزب عقب تلك اللقاءات وجود توافق مبدئي على إحالة مشروع القانون الإطاري إلى البرلمان خلال شهر يوليو، في خطوة تعد محطة مفصلية في مسار المبادرة.
انتقاد لتقييد التواصل مع أوجلان
وقبل السماح بعقد هذا الاجتماع، كان حزب العمال الكردستاني قد انتقد منع الوفود من لقاء أوجلان لمدة قاربت شهرين، معتبرا أن استمرار عزله في وقت يجري فيه الإعداد للتشريع الجديد يثير تساؤلات بشأن جدية العملية.
وأشار الحزب إلى أنه من الصعب تبرير استبعاد الشخصية المحورية في المفاوضات بينما تستمر الاستعدادات القانونية والسياسية المتعلقة بالمبادرة.
كيف بدأت المبادرة الجديدة؟
تعود بداية المبادرة الحالية إلى أكتوبر/تشرين الأول 2024 عندما فاجأ رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، المعروف بمواقفه القومية المتشددة، الأوساط السياسية بدعوته عبد الله أوجلان إلى إصدار نداء يطالب فيه حزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح وإنهاء العمل المسلح.
وفي فبراير/شباط 2025 استجاب أوجلان لهذه الدعوة، موجها رسالة دعا فيها الحزب إلى إنهاء الكفاح المسلح، وهو ما دفع الحزب إلى إعلان وقف إطلاق النار، ثم إعلان حل بنيته التنظيمية وإنهاء وجوده العسكري بصيغته السابقة.
وفي يوليو/تموز 2025 نظم عدد من عناصر الحزب مراسم رمزية في شمال العراق أحرقوا خلالها أسلحتهم، قبل أن يعلن الحزب لاحقا بدء سحب مقاتليه من الأراضي التركية، في خطوة اعتبرت مؤشرا على انتقال المبادرة من الجانب العسكري إلى المسار السياسي والقانوني.
القانون المنتظر… أكثر مراحل العملية حساسية
بعد انتهاء المرحلة الأولى المتعلقة بإعلان وقف النشاط المسلح، انتقلت المناقشات إلى إعداد تشريع ينظم تفاصيل المرحلة الانتقالية.
ومن المنتظر أن يعالج القانون ملفات معقدة، تشمل آليات تسليم السلاح، ووضع المقاتلين العائدين، وإمكانية ملاحقتهم قضائيا أو دمجهم في الحياة المدنية والسياسية، إضافة إلى الإجراءات القانونية المتعلقة بإعادة الإدماج.
لكن الحكومة التركية لم تنشر حتى الآن أي مسودة رسمية للقانون، كما لم توضح ما إذا كان سيتضمن تخفيفا للعقوبات أو ترتيبات خاصة بقيادات الحزب، الأمر الذي فتح الباب أمام تكهنات واسعة بشأن استبعاد أوجلان وكبار المسؤولين في الحزب من أي تسوية.
موقف الحكومة التركية
تقدم الحكومة المبادرة تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”، وتؤكد أن الأولوية تتمثل في التحقق من تنفيذ حزب العمال الكردستاني لتعهداته المتعلقة بحل التنظيم والتخلي الكامل عن السلاح.
وفي المقابل، لم تعلن الحكومة حتى الآن أي التزام بالإفراج عن عبد الله أوجلان أو إصدار عفو عام عن أعضاء الحزب، وهو ما يمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في المرحلة الحالية.
خلفية تاريخية
يقضي عبد الله أوجلان منذ عام 1999 عقوبة السجن المؤبد المشدد في سجن جزيرة إمرالي جنوب إسطنبول، بعد اعتقاله في عملية دولية أثارت آنذاك جدلا واسعا.
ويصنف حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية من قبل تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الغربية، وخاض منذ عام 1984 تمردا مسلحا ضد الدولة التركية، أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وخلف خسائر بشرية واقتصادية واسعة، خصوصا في جنوب شرقي البلاد.
وكانت محاولة سابقة للتسوية قد انطلقت عام 2013، لكنها انهارت في صيف 2015، لتعود المواجهات العسكرية بصورة أكثر عنفا، مصحوبة بعمليات أمنية واسعة ودمار كبير في عدد من المدن ذات الغالبية الكردية.

