في خطوة جديدة تعكس تشديد واشنطن لاستراتيجيتها الهادفة إلى كبح القدرات العسكرية الإيرانية، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عن حزمة عقوبات موسعة تستهدف شبكة دولية مرتبطة ببرامج التسلح الإيرانية، لا سيما في مجالي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وتشمل هذه الإجراءات 14 فرداً وكياناً، إضافة إلى طائرات يُشتبه في استخدامها ضمن منظومات نقل ودعم لوجستي مرتبطة بطهران.
شركة تركية ضمن الشبكة المستهدفة
في صلب هذه الإجراءات، برزت شركة تركية تحمل اسم “إمتي فايبر للمنسوجات والتجارة الخارجية المحدودة“، والتي تتخذ من منطقة إسنيورت في إسطنبول مقراً لها، وقد تأسست في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ووفقاً لبيانات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، فإن الشركة قامت بتنفيذ مئات الشحنات من مادة “قطن اللينتر” إلى شركة إيرانية تُدعى “بارديسان رضوان شرق الدولية”، وهي مادة تُستخدم في تصنيع “النيتروسليلوز”، أحد المكونات الحيوية لتحسين كفاءة وقوة محركات الوقود الصلب المستخدمة في الصواريخ الباليستية.
امتدادات سابقة للعقوبات: شبكة مترابطة
الشركة الإيرانية المستلمة للشحنات لم تكن بعيدة عن دائرة الاستهداف سابقاً، إذ فرضت عليها عقوبات في 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، بسبب عملها لصالح المواطن الإيراني مصطفى رستمي ساني.
وتشير وزارة الخزانة إلى أن ساني كان مسؤولاً عن تأمين عشرات الأطنان من مادة “بيركلورات الصوديوم”، لصالح شركة “بارشين للصناعات الكيميائية”، التابعة لمنظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المنظمة خضعت للعقوبات الأميركية منذ مارس/آذار 2007، بينما أُدرجت شركة بارشين على القائمة في يوليو/تموز 2008، إلى جانب فرض تجميد أصول عليهما بموجب قرارات الأمم المتحدة.
الطائرات المسيّرة: محور متنامٍ في الاستراتيجية الإيرانية
العقوبات الأخيرة لم تقتصر على المواد الخام، بل شملت أيضاً ثلاثة أفراد مرتبطين بشركة “بيشغام إلكترونيك صفه” الإيرانية، المتهمة بتأمين آلاف المحركات الصغيرة (Servo Motors) التي عُثر عليها في طائرات “شاهد-136” المسيّرة.
وتؤكد واشنطن أن إيران باتت تعتمد بشكل متزايد على هذه الطائرات الانتحارية في استهداف خصومها، بما في ذلك البنية التحتية للطاقة، في سياق مساعيها لتعويض النقص في مخزون الصواريخ الباليستية.
دور “ماهان إير”: النقل والتغطية اللوجستية
كما طالت العقوبات شبكة مرتبطة بشركة الطيران الإيرانية “ماهان إير”، التي تُتهم بلعب دور محوري في نقل المعدات العسكرية وأنظمة الطائرات المسيّرة من وإلى إيران.
ووفقاً لوزارة الخزانة، فقد شاركت كيانات في عدة دول، من بينها تركيا، الإمارات، العراق، الصين، تايلاند، باكستان والهند، في تقديم دعم لوجستي ومادي لرحلات هذه الشركة، ما يعكس اتساع الشبكة العابرة للحدود.
مسارات التهريب: النفط مقابل الذهب
تأتي هذه الإجراءات بعد أيام قليلة فقط من إعلان واشنطن عن حزمة عقوبات أخرى كشفت عن مخطط معقد لتهريب النفط الإيراني إلى فنزويلا مقابل الذهب.
وبحسب المعطيات الأميركية، جرى نقل هذا الذهب عبر رحلات “ماهان إير” إلى عناصر في حزب الله داخل طهران، قبل أن يُهرّب لاحقاً إلى تركيا لبيعه، في مسار يعكس تداخلاً بين الاقتصاد غير المشروع والشبكات العسكرية.
الإطار السياسي والاستراتيجي للعقوبات
أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن بلاده ستواصل “تعقب التدفقات المالية” واستهداف الجهات التي تسهم في دعم البرامج العسكرية الإيرانية.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن تنفيذ مذكرة الأمن القومي الرئاسية رقم 2، الموقعة في 4 فبراير/شباط 2025، والتي تنص على تكثيف الضغوط على شبكات التسلح الإيرانية.
كما تمثل هذه الحزمة الجولة الخامسة من العقوبات المرتبطة بمنع الانتشار منذ إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران في 27 سبتمبر/أيلول 2025.
تصعيد متعدد الأبعاد واستهداف لسلاسل الإمداد
تعكس هذه العقوبات تحولاً في النهج الأميركي من استهداف الكيانات النهائية إلى ضرب سلاسل الإمداد بكاملها، بما يشمل الشركات الوسيطة والمواد الأولية وشبكات النقل.
كما تشير إلى إدراك متزايد لدى واشنطن بأن برامج التسلح الإيرانية تعتمد على بنية دولية معقدة، تستفيد من ثغرات التجارة العالمية، وتستند إلى شركات حديثة التأسيس لتفادي الرقابة.
وفي المقابل، تضع هذه السياسات دولاً مثل تركيا أمام تحديات متزايدة، خاصة في ظل تكرار ورود أسمائها ضمن مسارات التجارة غير المباشرة المرتبطة بإيران.
تصعّد واشنطن ضغوطها عبر استهداف شبكات الإمداد العالمية المرتبطة بالبرنامج العسكري الإيراني، مع توسيع نطاق العقوبات ليشمل شركات وسيطة في دول عدة.
وتكشف الإجراءات الأخيرة عن تشابك معقد بين التجارة الدولية والأنشطة العسكرية، ما يعكس صعوبة احتواء هذه الشبكات دون تنسيق دولي واسع.

