كشف تقرير حديث صادر عن منظمة العفو الدولية عن تدهور ملحوظ في أوضاع حقوق الإنسان في تركيا خلال عام 2025، مشيراً إلى تصاعد القيود على الحريات الأساسية، وتزايد الضغوط السياسية على القضاء، إلى جانب ترسيخ مناخ الإفلات من العقاب في الانتهاكات المرتكبة من قبل السلطات.
استهداف حرية التعبير والتنظيم: دائرة أوسع من الملاحقات
وثّق التقرير توسعاً في استخدام الأدوات القضائية لملاحقة الأفراد والجهات التي تمارس حقها في التعبير والتنظيم، حيث شهد العام زيادة في التحقيقات والمحاكمات والإدانات بحق طيف واسع من الفاعلين.
وشملت هذه الملاحقات نقابة محامي إسطنبول، وطاقم مجلة “ليمان” الساخرة، إلى جانب الفنان مابل ماتيز، والناشط أنس خوجا أوغوللاري، فضلاً عن منظمات مدنية مثل جمعية مراقبة الهجرة وجمعية الشباب للمثليين.
تقييد التجمعات السلمية: تدخلات أمنية وإصابات
أشار التقرير إلى فرض قيود تعسفية على الحق في التجمع السلمي، حيث تدخلت قوات الأمن لتفريق فعاليات عامة، من بينها احتفالات عيد العمال، واليوم العالمي للمرأة، ومسيرات الفخر.
واستخدمت الشرطة خلال هذه التدخلات وسائل وُصفت بأنها “أقل فتكاً”، إلا أنها تسببت في إصابات عديدة، ما يعكس تصعيداً في أساليب ضبط الاحتجاجات.
تآكل ضمانات المحاكمة العادلة وتجاهل الأحكام القضائية
سجّل التقرير تصاعد الانتهاكات المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة، مع تعرض مدافعين عن حقوق الإنسان لتحقيقات ومحاكمات وقرارات إدانة وُصفت بأنها تفتقر إلى الأسس القانونية.
كما أشار إلى استمرار السلطات في تجاهل أحكام ملزمة صادرة عن المحكمة الدستورية التركية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ما يثير تساؤلات حول استقلال القضاء وفعاليته.
ملفات رمزية: استمرار احتجاز شخصيات بارزة
استشهد التقرير بحالات بارزة تعكس هذا المسار، من بينها استمرار سجن الزعيم السابق لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش، ورجل الأعمال والناشط المدني عثمان كافالا، رغم قرارات قضائية محلية ودولية تطالب بالإفراج عنهما.
استهداف المعارضة السياسية: ضغط متزايد على البلديات
رصد التقرير تصاعد الضغوط على المعارضة السياسية، وخاصة حزب الشعب الجمهوري، عبر فتح تحقيقات وملاحقات بحق رؤساء البلديات والمسؤولين التابعين له.
وكان من أبرز هذه القضايا اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في 19 مارس/آذار، قبل أن يُحال إلى السجن لاحقاً بتهم فساد، وهي قضية اعتبرها منتقدون ومراقبون دوليون ذات دوافع سياسية تهدف إلى إبعاده عن المنافسة المحتملة في انتخابات 2028، في ظل اعتباره أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان.
العنف ضد النساء: أرقام مقلقة واستمرار الظاهرة
سلّط التقرير الضوء على استمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث قُتلت ما لا يقل عن 294 امرأة على يد رجال، في حين عُثر على 297 امرأة أخريات متوفيات في ظروف وُصفت بالمشبوهة، ما يعكس عمق الأزمة في حماية النساء.
تصاعد الخطاب التمييزي واستهداف مجتمع الميم
أشار التقرير إلى أن الخطاب الصادر عن مسؤولين حكوميين ساهم في تكريس الصور النمطية الجندرية وتعزيز خطاب الكراهية، بما في ذلك رهاب المثلية والتحول الجنسي.
ووصف عام 2025 بأنه شهد “هجوماً غير مسبوق” على حقوق مجتمع الميم، خاصة مع طرح الحكومة ثلاثة مشاريع قوانين تهدف إلى تقييد هذه الحقوق، رغم أنها لم تُعرض رسمياً على البرلمان.
اللاجئون والمهاجرون: مخاطر الترحيل والانتهاكات
أكد التقرير أن اللاجئين والمهاجرين في تركيا ظلوا عرضة لخطر الإعادة القسرية ورفض طلبات الحماية الدولية بشكل تعسفي.
كما أشار إلى اختفاء ناشطين تركمانيين بعد احتجازهما في مركز ترحيل، ما يثير مخاوف بشأن سلامة المحتجزين وآليات الرقابة على هذه المراكز.
الإفلات من العقاب: غياب المساءلة عن الانتهاكات
أبرز التقرير استمرار ثقافة الإفلات من العقاب، حيث لم تُحقق السلطات بشكل فعّال في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة، خاصة خلال الاحتجاجات الجماعية في مارس/آذار، وكذلك في أعقاب الزلازل التي ضربت جنوب شرق تركيا عام 2023، رغم الاتهامات بوقوع انتهاكات خلال تلك الفترات.
مسار متصاعد نحو تقييد المجال العام
تعكس المعطيات الواردة في التقرير توجهاً متصاعداً نحو تضييق المجال العام في تركيا، من خلال تداخل الأدوات القضائية مع الأهداف السياسية، وتوسيع نطاق الرقابة على المجتمع المدني والمعارضة.
كما يشير تجاهل الأحكام القضائية الدولية إلى أزمة أعمق تتعلق بعلاقة الدولة بالمنظومة القانونية الدولية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الغربية لسجل أنقرة الحقوقي، مقابل تمسك الحكومة بخطاب السيادة ورفض “التدخل الخارجي”.
وفي السياق الإقليمي، تأتي هذه التطورات في ظل بيئة سياسية وأمنية معقدة، ما يتيح للسلطات تبرير بعض الإجراءات تحت مظلة الأمن القومي، وهو ما يثير جدلاً متواصلاً حول التوازن بين الأمن والحريات.

