يرسم المحلل الاستراتيجي الأمريكي، مايكل روبين، في مقال له بموقع “19 فورتي فايف”، سيناريوهات قاتمة لمستقبل العلاقات التركية الإسرائيلية، مشبهاً الأجواء الراهنة بتلك التي سبقت حرب عام ١٩٦٧، حيث يرى أن التصعيد الكلامي والتحركات الميدانية التركية قد تدفع إسرائيل نحو خيار “الضربة الاستباقية” لتفادي تهديد وجودي محتمل، في ظل تحولات جيوسياسية عميقة تعيد صياغة توازنات القوة في المنطقة.
من ناصر إلى أردوغان: استنساخ خطاب المواجهة
يرى روبين أن التاريخ يعيد نفسه بصورة تراجيدية؛ فكما كان الخطاب التعبوي للرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر في الستينيات دافعاً لتحرك إسرائيلي خاطف، ينتهج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليوم استراتيجية مشابهة عبر تصعيد العداء الكلامي ضد تل أبيب. ويشير التحليل إلى أن أردوغان، مدفوعاً بأزمات اقتصادية داخلية ورغبة في زعامة العالم الإسلامي، انتقل من مجرد النقد السياسي إلى التهديد المباشر بالتدخل العسكري، مستشهداً بما حدث في “ناغورنو كاراباخ”، وهو ما تراه الدوائر الأمنية الإسرائيلية تجاوزاً للخطوط الحمراء.
تطورات التصعيد الميداني والاقتصادي في ٢٠٢٦
لم يتوقف الأمر عند التصريحات، بل شهد شهر أبريل من عام ٢٠٢٦ تحولات ملموسة، حيث بدأت أنقرة حصاراً “ناعماً” عبر منع السفن المرتبطة بإسرائيل من دخول موانئها. وتزامن ذلك مع إجراءات قانونية غير مسبوقة، حيث وجهت الحكومة التركية اتهامات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مطالبة بعقوبات حبس خيالية تتجاوز ٤٥٠٠ عام على خلفية اعتراض قوافل إمداد غزة. وبحسب تقارير استخباراتية، يرى روبين أن تركيا تجاوزت الدور الإيراني في دعم “حزب الله” اللبناني، وأصبحت شريان حياة عسكري وتكنولوجي له، بالإضافة إلى تعزيز قدرات النظام السوري الهجومية.
القدرات العسكرية التركية ومخاوف كسر التوازن
تثير المصانع الحربية التركية قلقاً بالغاً في الأوساط الإسرائيلية، خاصة مع الإنتاج المكثف للطائرات المسيرة التي قد تنهك الدفاعات الجوية الإسرائيلية. ويحذر روبين من أن حصول تركيا على مقاتلات “إف-٣٥” الأمريكية قد ينهي التفوق النوعي الجوي لإسرائيل، فضلاً عن الطموحات النووية التركية التي تلوح في الأفق كتهديد استراتيجي بعيد المدى. ويرى المحلل أن نشر طائرات “إف-١٦” التركية في شمال قبرص كان بمثابة اختبار لرد الفعل الدولي، والذي جاء فاتراً مما شجع أنقرة على مزيد من الخطوات التصعيدية.
سيناريو “عملية التركيز” التركية: الأهداف والتوقيت
في حال استشعرت إسرائيل خطراً داهماً، يعتقد روبين أنها قد تكرر “عملية التركيز” التي نفذتها عام ١٩٦٧ لتدمير سلاح الجو المصري. ويقترح التحليل أن يتم استهداف الأسطول الجوي التركي، خاصة طائرات “إف-١٦”، في قواعد رئيسية مثل “إنجرليك”، وإزمير، وديار بكر، وقواعد في شمال قبرص. كما قد تمتد الضربات لتشمل القواعد البحرية في “غولجوك” و”أكساز” و”إسكندرون”، بالإضافة إلى ضرب العمود الفقري للصناعات الدفاعية التركية، متمثلاً في شركة “توساش” ومصانع “بايكار” المنتجة لمسيرات “بيرقدار” و”أقنجي”، لضمان شل القدرة على الرد السريع.
الدولة العميقة والوهن العسكري الداخلي
على جانب آخر من التحليل، ثمة رؤية تشير إلى أن تركيا أصبحت “مكشوفة” عسكرياً بسبب السياسات الداخلية لأردوغان؛ فالتصفيات السياسية وعمليات التطهير التي تلت محاولة انقلاب ٢٠١٦ أدت إلى إفراغ الجيش والمؤسسات الأمنية من الكفاءات واستبدالهم بعناصر تدين بالولاء الشخصي بدلاً من الكفاءة المهنية. ويرى محللون أن أردوغان حطم “الدرع” الذي كان يحميه، مما جعل الدولة عرضة للاختراق من قبل أجنحة “الدولة العميقة” الموالية للمعسكر الإسرائيلي، والتي قد تدفع بالرئيس نحو مواجهة غير محسوبة لتدمير ما تبقى من قوة البلاد.
مظلة ناتو المثقوبة واستراتيجية الخروج
يرى روبين أن رهان تركيا على المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي “ناتو” قد يكون رهاناً خاسراً؛ فالحلف يعمل بنظام الإجماع، ويمكن لأي دولة عضو تعطيل تفعيل الدفاع المشترك، خاصة إذا اعتبرت التحركات التركية استفزازية. وفي حال اندلاع المواجهة، قد تتبع إسرائيل تكتيك الهجوم الخاطف ثم طلب وقف إطلاق النار، معتمدة على تدخل البحرية الأمريكية في شرق المتوسط لفرض التهدئة، وهو سيناريو يهدف إلى تغيير قواعد اللعبة دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة.
خلاصة
تؤكد الرؤية التحليلية لمايكل روبين أن استمرار التصعيد التركي قد يضع المنطقة أمام سيناريو “الضربة الاستباقية” الإسرائيلية لشل القدرات العسكرية والتقنية لأنقرة قبل نضوج تهديدها الوجودي. ويظل التحدي الأكبر أمام الدولة التركية هو معالجة شروخها الداخلية وإعادة تقييم مسارها الاستراتيجي لتجنب فخ الاستدراج لمواجهة قد تنهي طموحاتها الإقليمية.

