يقدم المحلل السياسي التركي سعيد صفاء قراءة مغايرة ومعمقة للمشهد السياسي الحالي في تركيا، معتبراً أن إعادة فتح ملف اغتيال الزعيم القومي المحافظ “محسن يازجي أوغلو” في عام 2009 يمثل ذروة الصراع الخفي داخل أروقة القصر الرئاسي.
في تحليل مفصل جاء عبر صفحته على يوتيوب، بناء على الوثائق التي وصلها من جهات متنفذة في أنقرة، يرى صفاء أن هذه التحركات القضائية ليست سعياً مجرداً خلف الحقيقة بعد سبعة عشر عاماً، بل هي أداة ضغط سياسي مباشر تستهدف تصفية حسابات مع أطراف بدأت تظهر تململاً أو ندماً حيال الرواية الرسمية لأحداث الخامس عشر تموز 2016، وعلى رأسهم رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم.
استهداف بن علي يلدريم وتوظيف قضية يازجي أوغلو
يؤكد سعيد صفاء أن الهدف الحقيقي من تحريك قضية يازجي أوغلو في هذا التوقيت هو توجيه رسالة تهديد نهائية لـ “بن علي يلدريم”. ويحلل صفاء هذا الاستهداف من زاوية المسؤولية القانونية، حيث كان يلدريم يشغل منصب وزير النقل والمواصلات وقت وقوع الحادثة، وهو المسؤول المباشر عن الطيران المدني وتنسيق عمليات الإنقاذ.
ويرى صفاء أن تصريحات القضاء التركي بضرورة تتبع الملف إلى نهايته هي في الواقع إشارة إلى أن يلدريم قد يواجه اتهامات بالتقصير العمد أو التواطؤ، وذلك لـ”ضمان صمته وضمان عدم خروجه عن الخط المرسوم له من قبل القصر”.
لغز “صادق أوستون”: المنسق الخفي لمؤامرة الانقلاب
يكشف سعيد صفاء عن الدور المحوري الذي لعبه “صادق أوستون”، العنصر الاستخباراتي القادم من خلفية عسكرية، واصفاً إياه بأنه كان “المهندس الفعلي” للروابط بين جهاز الاستخبارات ورئاسة الأركان قبيل مؤامرة محاولة الانقلاب.
وبحسب تحليل صفاء، فإن أوستون قام بالتنسيق مع “خلوصي أكار” لإقناع القادة العسكريين بأنهم يتحركون ضمن تسلسل هرمي قيادي من أجل الانقلاب على حكومة أردوغان في 2016، بينما كان في الواقع يستدرجهم إلى فخ محكم معد سلفا.
كما يشير صفاء إلى أن أوستون كان يدير المشهد الإعلامي من خلف الستار، وهو من وجه القادة العسكريين للظهور على الشاشات لإلصاق جريمة المحاولة لجنرالات معينين من أمثال قائد القوات الجوية أكين أوزتورك واتهمام حركة الخدمة بالوقوف وراءها، في مسعى لتثبيت رواية النظام قبل اتضاح الحقائق.
مؤامرة نفق “إلغاز” ومحاولة التخلص من يلدريم
يسلط سعيد صفاء الضوء على حادثة مفصلية ليلة 15 تموز، وهي تعرض موكب بن علي يلدريم لإطلاق نار في نفق “إلغاز” والذي أغلق نظام أردوغان هذا الملف دون فتح أبسط تحقيق. ووفقاً لمعلومات صفاء، فإن صادق أوستون هو من وجه فريق حماية يلدريم نحو ذلك المسار بذريعة حمايتهم من الانقلابيين، لكن الهدف الحقيقي كان إرسالهم إلى كمين أعدته عناصر مدنية ترتدي زي الجندرمة لتصفية رئيس الوزراء.
ويرى صفاء أن إدراك يلدريم لاحقاً بأنه كان مستهدفاً أثناء “مؤامرة الانقلاب” من قبل النظام الذي يخدمه هو السبب الرئيس وراء حالة “الندم الشديد” التي يعيشها حالياً وعبر عنه في مناسبات مختلفة، والتي يحاول النظام قمعها عبر التهديد بملف يازجي أوغلو.
ويؤكد صفاء أن هدف اغتيال يلدريم كان تضخيم المشهد الدرامي عقب مؤامرة الانقلاب إلى أقصى الحدود وضمان أكبر قدر من الدعم الشعبي وضم كل المعارضة إلى صف النطام الرئاسي الحديد الذي تم تأسيسه علي أنقاض محاولة الانقلاب.
صراع الأجنحة الاستخباراتية ومصير “الأدوات“
يتناول سعيد صفاء التحول في موازين القوى داخل جهاز الاستخبارات التركي بعد تولي “إبراهيم كالين” للمنصب، مشيراً إلى أن “قلم صادق أوستون قد كُسر”، على حد تعبيره.
ويحلل صفاء وضع أوستون الحالي بأنه يعيش حالة من الذعر الوجودي في منفاه بليبيا، بعدما بدأ الجهاز في إعداد ملفات ضده تتهمه بالارتباط بجهات خارجية وتجاوز المهام الرسمية.
ويرى صفاء أن هذه هي الاستراتيجية المتبعة مع “المنفذين” الذين انتهت صلاحيتهم، حيث يتم تحويلهم من أدوات للحماية إلى كباش فداء لتغطية أسرار الدولة.
تحليل سعيد صفاء لمستقبل النخبة الحاكمة
يخلص سعيد صفاء إلى أن نظام أردوغان يمر بمرحلة “تآكل داخلي” حيث لم يعد الولاء المطلق كافياً لضمان النجاة. ويرى أن استخدام ملفات مثل اغتيال يازجي أوغلو أو توريط واستخدام “أركام يلدريم”، نجل بن علي يلدريم، في نشاطات تجارية مشبوهة يهدف إلى خلق حالة من الشلل السياسي لدى القيادات السابقة مثل عبد الله غول وأحمد داود أوغلو وبن علي يلدريم، لمنعهم من كشف حقائق “الخديعة الكبرى” التي بنيت عليها شرعية نظام أردوغان بعد مؤامرة الانقلاب.
وبحسب صفاء، فإن الصراع الحالي هو صراع بقاء، حيث تخرج الوثائق والملفات المسربة كجزء من حرب الأجنحة الطاحنة داخل الدولة.

