في تحليل قدمه على يوتيوب، تناول المحلل السياسي التركي أرقم طوفان أبعاداً عميقة ومعقدة للمشهد السياسي في تركيا، مسلطا الضوء على آليات “هندسة المعارضة” وتغلغل ما يُعرف بـ”الدولة العميقة” في مفاصل الأحزاب والعملية القضائية، وذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسية تشمل تصريحات زعيم المعارضة أوزغور أوزيل، والنموذج السلطوي في نيكاراغوا، وقضية اعتقال الناشط أوزهان أوغور.
اعترافات أوزغور أوزيل: كواليس صناعة “المعارضة المُسيطر عليها“
يرى المحلل السياسي أرقم طوفان أن التصريحات الأخيرة لرئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، لم تكن مجرد خطاب سياسي عابر، بل كانت بمثابة كشف تاريخي عن “آلية الإجازة” التي تُمنح لأحزاب المعارضة في تركيا. يشير طوفان إلى أن أوزيل فضح وجود نظام خفي يتجاوز إرادة الناخبين، حيث تُفرض شخصيات سياسية محددة على الشعب بدلاً من تلك التي يختارها بمحض إرادته.
نقل طوفان عن أوزيل قوله في البرلمان بأنه تلقى عروضاً من “جهات عميقة” تضمن له البقاء في منصبه لمدة ثلاثين عاماً، أي حتى بلوغه الثمانين من العمر، شريطة التخلي عن حليفه أكرم إمام أوغلو وترك رفاقه المعتقلين يواجهون مصيرهم. هذا العرض يكشف، حسب طوفان، عن منطق “المعارضة المتحكم بها”، حيث يُسمح للمعارض بالحديث والبقاء على رأس حزبه، لكنه يُمنع من المساس بـ”الخطوط الحمراء” للنظام أو السعي الجاد نحو السلطة وتغيير البنية القائمة.
ويضيف طوفان أن الرسالة الموجهة لأوزيل كانت واضحة وصادمة: “ابتعد عن الشارع، وانزل عن حافلة الدعاية، واترك إمام أوغلو لتنهشه مخالب القضاء التابع للحزب الحاكم”. ويؤكد المحلل أن الخطورة تكمن في معرفة هؤلاء الأشخاص “العميقين” مسبقاً بما سيؤول إليه القضاء، مما يشير إلى أنهم إما مطلعون على الخطط القضائية أو مشاركون في تصميمها.
نموذج “أورتيغا” وتدويل الممارسة السلطوية
ينقل أرقم طوفان التحليل إلى سياق دولي بمقارنة لافتة مع دانييل أورتيغا، رئيس نيكاراغوا، الذي أعلن صراحةً إلغاء الانتخابات لمنع المعارضة من الوصول إلى السلطة. ويرى طوفان أن أورتيغا يمثل نموذجاً “أكثر صراحة” للدكتاتورية، حيث لا يكتفي بإقصاء الخصوم، بل يصفهم بـ”الخونة” و”بائعي الوطن” لإضفاء شرعية على قمعهم.
ويوضح طوفان أن الطريق إلى هذا الوضع في نيكاراغوا بدأ بالسيطرة على المحكمة العليا وتغيير قيادات المعارضة بأسماء ضعيفة موالية للنظام، وهو ما يشبه عملية “هندسة المعارضة” التي يتم الحديث عنها في تركيا.
ويحذر المحلل من أن الأنظمة لا تتحول إلى دكتاتوريات في يوم وليلة، بل تمر بمراحل تبدأ بالسيطرة على القضاء، ثم شيطنة المعارضة، وإحلال الموالين مكان المنتخبين (سياسة الوصاية)، وصولاً إلى إفراغ صناديق الاقتراع من معناها.
ويتساءل طوفان بمرارة: إذا كان يتم تعيين أوصياء مكان رؤساء البلديات المنتخبين ويُزج بالخصوم في المحاكم قبل الميادين، فهل لا يزال للصندوق قدرة على التغيير؟
معضلة “الارتباط غير المباشر” وقضية أوزهان أوغور
في المحور الثالث، يتناول أرقم طوفان اعتقال صانع المحتوى الرقمي أوزهان أوغور بتهم تتعلق بغسل الأموال وإساءة الأمانة، مشيراً إلى أن الدليل يستند إلى مفهوم قانوني هلامي يُدعى “الارتباط غير المباشر” أو “الالتصاق”. ويوضح طوفان أن هذا المفهوم يُستخدم لاعتقال الأشخاص بناءً على تقاطعات مالية بعيدة المدى مع أشخاص آخرين قد يكون لهم صلة بجهات مشبوهة، دون وجود دليل على تحويل مالي مباشر أو ارتكاب جريمة ملموسة.
وينتقد طوفان بشدة هذا النهج القانوني الذي تسبب في تشريد آلاف العائلات ومصادرة ممتلكاتهم تحت مسمى “الالتصاق”، معتبراً أن مبدأ شخصية العقوبة قد تم سحقه. كما يوجه لوماً لبعض الصحفيين المعارضين الذين لم يعترضوا على هذا الظلم إلا عندما طال “أبناء حيهم” أو الشخصيات المشهورة مثل أوغور، بينما التزموا الصمت عندما طُبق على آلاف المجهولين من أبناء حركة الخدمة مثلا.
إرث العقيد حسن أتيلا أوغور والوعود العالقة
يربط أرقم طوفان بين حاضر أوزهان أوغور وماضي والده، العقيد المتقاعد حسن أتيلا أوغور، الذي كان متهماً بارزاً في قضايا “أرغنيكون” و”جيتيم” (JİTEM) المتعلقة بجرائم قتل واختفاء قسري في منطقة “قزيل تبه” بالتسعينيات. ويشير طوفان إلى أن جثث الضحايا استُخرجت من آبار الأحماض، لكن القضية أُغلقت بسبب “مرور الزمن” بعد تغير المناخ السياسي وتحالف السلطة مع الدولة العميقة السابقة.
ويختتم طوفان تحليله بالتذكير بوعد قطعه أوزهان أوغور في عام 2022 باستضافة والده في برنامج “الميكروفون المفتوح” لمواجهة ضحايا تلك الحقبة ومحامي حقوق الإنسان، وهو الوعد الذي لم يتحقق حتى الآن. ويرى المحلل أن على أوزهان، الذي يأمل خروجه العادل من السجن، أن يفي بوعده بكشف تلك الملفات المظلمة، لأن الحقوق لا تسقط بمرور الزمن في ضمير الشعوب.

