تشهد تركيا تصاعداً ملحوظاً في أزمة الديون، مع استمرار ارتفاع حجم الاقتراض لدى الأفراد والشركات، بالتزامن مع تزايد حالات التعثر في السداد، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على توسع إجراءات الحجز والتنفيذ التي تنفذها البنوك بحق المقترضين.
وتظهر أحدث البيانات أن إجمالي القروض المقدمة من القطاع المصرفي اقترب من حاجز 26.98 تريليون ليرة تركية حتى الأسبوع المنتهي في 24 يوليو/تموز، في وقت سجلت فيه الديون المتعثرة واحدة من أسرع وتائر النمو خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي دفع المؤسسات المصرفية إلى تكثيف عمليات بيع العقارات والمركبات التي آلت إليها نتيجة عدم سداد القروض.
نمو قوي في حجم الائتمان
ارتفع إجمالي القروض المصرفية خلال عام واحد بنسبة تقارب 35%، ليصل إلى 26 تريليوناً و975 مليار ليرة. ويتوزع هذا المبلغ بين20 تريليوناً و297 مليار ليرة تمثل القروض التجارية وغيرها من التسهيلات الممنوحة للشركات والقطاع الإنتاجي، و6 تريليونات و677 مليار ليرة تمثل قروض المستهلكين وبطاقات الائتمان والقروض الشخصية.
وتعكس هذه الأرقام استمرار الاعتماد المكثف على الاقتراض لتمويل الأنشطة الاقتصادية والاستهلاك، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع تكاليف التمويل واستمرار الضغوط التضخمية.
الديون المتعثرة تقفز بأكثر من أربعة أخماس
بالتوازي مع نمو الإقراض، ارتفعت الديون التي عجز المقترضون عن سدادها بوتيرة أسرع بكثير.
فقد زادت قيمة الديون المصنفة ضمن “القروض المتعثرة” أو الخاضعة لإجراءات التحصيل القانونية بنسبة 83% خلال عام واحد، لترتفع من 442.5 مليار ليرة إلى نحو 810 مليارات ليرة.
ويعكس هذا الارتفاع اتساع دائرة المتعثرين في الوفاء بالتزاماتهم المالية، سواء بين الأفراد أو الشركات، مع استمرار الضغوط على القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الاقتراض.
البنوك توسع عمليات الحجز والبيع
أدى ارتفاع الديون غير المسددة إلى تسريع البنوك إجراءات التنفيذ على الضمانات المقدمة مقابل القروض. وشملت الممتلكات المعروضة للبيع طيفاً واسعاً من الأصول، من بينها الوحدات السكنية، والمصانع، والمزارع، والأراضي الزراعية، والمركبات الخاصة، والجرارات الزراعية، والحصادات، ومركبات النقل المتخصصة، بما فيها سيارات الأجرة البحرية.
وتعكس هذه القائمة تنوع الضمانات التي حصلت عليها البنوك مقابل التمويلات الممنوحة، سواء للأفراد أو للقطاعين الصناعي والزراعي.
آلاف العقارات على قوائم البيع
تشير البيانات إلى أن البنوك عرضت ما يقارب خمسة آلاف عقار للبيع عبر مزادات التنفيذ، مع هيمنة واضحة للبنوك الحكومية على الجزء الأكبر من هذه القائمة. وجاء توزيع العقارات المعروضة على النحو الآتي: هالك بنك تصدرت القائمة بنحو 1814 عقاراً، وقف بنك تجاوز عدد العقارات المعروضة لديه ألف عقار، وزراعات بنك عرض 685 عقاراً للبيع.
كما تجاوز عدد المركبات التي طرحتها البنوك الحكومية الثلاثة للبيع 165 مركبة، في مؤشر يعكس اتساع نطاق عمليات الحجز التي طالت مختلف أنواع الضمانات.
البنوك الحكومية تستحوذ على النصيب الأكبر
لا يقتصر الحضور القوي للبنوك الحكومية على قوائم الممتلكات المحجوزة، بل يمتد أيضاً إلى حجم الإقراض في السوق التركية. فمن أصل 26.9 تريليون ليرة من إجمالي القروض القائمة، تستحوذ البنوك الحكومية على نحو 12.4 تريليون ليرة، أي ما يقارب نصف إجمالي الائتمان المصرفي.
أما الديون المتعثرة البالغة 810 مليارات ليرة، فتتوزع بين299 مليار ليرة لدى البنوك الحكومية، و273 مليار ليرة لدى البنوك الخاصة المحلية، و237 مليار ليرة لدى البنوك ذات رؤوس الأموال الأجنبية.
ويعكس هذا التوزيع انتشار أزمة التعثر في مختلف مكونات القطاع المصرفي، وليس في شريحة مصرفية بعينها.
قفزة كبيرة في مبيعات المنازل المرهونة
بالتزامن مع اتساع عمليات التنفيذ، سجلت سوق العقارات التركية ارتفاعاً لافتاً في مبيعات المساكن المرهونة.
ووفق بيانات هيئة الإحصاء التركية، ارتفع عدد المنازل المباعة عبر التمويل العقاري خلال يونيو/حزيران بنسبة 72% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليبلغ 25 ألفاً و993 وحدة سكنية.
وبذلك ارتفعت حصة المبيعات العقارية الممولة بالرهن العقاري إلى 20% من إجمالي مبيعات المنازل في تركيا.
ويرى اقتصاديون أن هذا الارتفاع يعكس استمرار اعتماد شريحة واسعة من المشترين على التمويل البنكي، رغم بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً.
تباطؤ الاقتصاد يفاقم الضغوط
يتزامن تصاعد الديون المتعثرة مع مؤشرات على تباطؤ النشاط الاقتصادي، الأمر الذي يزيد من الضغوط على الشركات والأسر في الوفاء بالتزاماتها المالية.
ويشير مختصون إلى أن استمرار ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف التمويل قد يؤدي خلال الأشهر المقبلة إلى زيادة أعداد العقارات والمركبات التي تنتقل ملكيتها إلى البنوك نتيجة التعثر في السداد.
كما يتوقع أن تستمر المؤسسات المصرفية في اللجوء إلى بيع الضمانات العقارية والمنقولة لتقليص خسائرها واستعادة جزء من مستحقاتها.
شركات إدارة الأصول تدخل على الخط
ومع تزايد حجم القروض المتعثرة، تلجأ بعض البنوك إلى نقل جزء من ديونها غير القابلة للتحصيل إلى شركات إدارة الأصول، التي تتولى شراء هذه الديون والعمل على تحصيلها أو إعادة هيكلتها.
ويعد هذا الإجراء من الأدوات المستخدمة في القطاع المصرفي لتخفيف الضغوط على الميزانيات العمومية للبنوك، إلا أنه يعكس في الوقت نفسه اتساع حجم الديون التي يصعب استردادها بالطرق التقليدية.
قراءة اقتصادية
تعكس المؤشرات الحالية اتجاهاً مزدوجاً في الاقتصاد التركي؛ فمن جهة يستمر نمو الائتمان بوتيرة مرتفعة، وهو ما يوفر السيولة للأفراد والشركات، ومن جهة أخرى يتسارع نمو الديون المتعثرة بمعدل يفوق بكثير معدل زيادة القروض، ما يثير مخاوف بشأن جودة المحافظ الائتمانية للبنوك إذا استمرت الضغوط الاقتصادية.
ورغم أن القطاع المصرفي التركي لا يزال يتمتع بمستويات مرتفعة نسبياً من الرسملة والرقابة، فإن استمرار ارتفاع حالات التعثر قد يدفع البنوك إلى تشديد شروط الإقراض، وزيادة الاعتماد على الضمانات، وتوسيع عمليات التنفيذ على الممتلكات، وهو ما قد ينعكس بدوره على سوق العقارات والأنشطة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.

