دخلت المبادرة التركية الرامية إلى إنهاء الصراع الممتد مع حزب العمال الكردستاني (PKK) مرحلة جديدة، بعدما تقدم تحالف السلطة في البرلمان بمشروع قانون يضع لأول مرة إطاراً قانونياً شاملاً للتعامل مع أعضاء الحزب الذين يلقون السلاح، عبر تعليق التحقيقات والمحاكمات والعقوبات في طيف واسع من القضايا، مقابل استثناء الجرائم الجسيمة من أي إعفاءات.
ويحمل مشروع القانون اسم “قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج المجتمعي“، ويتألف من اثنتي عشرة مادة، وقد وقع عليه نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم، إلى جانب نواب حزب الحركة القومية، الشريك الرئيسي في الائتلاف الحاكم.
ويُنظر إلى المشروع باعتباره الحلقة التشريعية الأهم منذ انطلاق المبادرة السياسية الجديدة التي تستهدف إنهاء النزاع المسلح المستمر منذ أربعة عقود بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني.
البرلمان يستعد لمناقشة المشروع
من المنتظر أن تبدأ لجنة العدل البرلمانية مناقشة مشروع القانون خلال الأيام المقبلة، قبل إحالته إلى الجمعية العامة للبرلمان للتصويت النهائي.
وتسعى أحزاب التحالف الحاكم إلى إقرار المشروع قبل بدء العطلة الصيفية للبرلمان، بما يسمح بدخول القانون حيز التنفيذ سريعاً في حال المصادقة عليه.
إطار قانوني لعودة مقاتلي الحزب
يؤسس مشروع القانون لأول إطار تشريعي يسمح لأعضاء حزب العمال الكردستاني السابقين بالعودة إلى تركيا والانخراط مجدداً في الحياة المدنية، بعد التخلي الكامل عن العمل المسلح.
ويستهدف المشروع معالجة الفراغ القانوني الذي برز بعد إعلان الحزب وقف نشاطه العسكري والشروع في تسليم السلاح، إذ كانت عودة المقاتلين إلى البلاد تعني، وفق القوانين النافذة، التعرض الفوري للملاحقة القضائية أو تنفيذ الأحكام السابقة.
الجرائم التي يشملها المشروع
يشمل مشروع القانون عدداً واسعاً من الجرائم المرتبطة بالانتماء إلى حزب العمال الكردستاني أو منظومة اتحاد المجتمعات الكردستانية (KCK)، التي تُعد المظلة التنظيمية التي يندرج الحزب ضمنها.
وتتضمن هذه الجرائم:
- تأسيس أو قيادة حزب العمال الكردستاني أو اتحاد المجتمعات الكردستانية.
- العضوية في التنظيم.
- تقديم المساعدة للتنظيم عن علم.
- نشر الدعاية لصالحه.
- الجرائم المرتكبة في إطار أنشطة التنظيم.
- جرائم تمويل الإرهاب عندما تكون لمصلحة الحزب.
في المقابل، يستثني المشروع بصورة صريحة جرائم القتل العمد التي ارتُكبت في إطار أنشطة التنظيم، كما يستبعد الجرائم التي ارتُكبت قبل الأول من يونيو/حزيران 2005 إذا كانت عقوبتها السجن المؤبد أو السجن المؤبد المشدد.
ويرى مراقبون أن هذه الصياغة القانونية تستهدف عملياً منع استفادة قيادات الصف الأول في الحزب من أحكام القانون.
أوجلان خارج نطاق المشروع
تشير المعطيات المتداولة في وسائل الإعلام التركية إلى أن الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان لن يكون مشمولاً بأحكام القانون.
ويقضي أوجلان منذ عام 1999 حكماً بالسجن المؤبد المشدد في سجن جزيرة إمرالي ببحر مرمرة.
كما تؤكد التسريبات أن كبار قادة الحزب لن يتمكنوا أيضاً من الاستفادة من أحكام المشروع، رغم مطالبة حزب العمال الكردستاني بأن يشمل القانون جميع أعضائه، إلى جانب اتخاذ خطوات تؤدي إلى ما وصفه بـ”الحرية الجسدية” لعبد الله أوجلان.
تعليق التحقيقات والمحاكمات
يقترح مشروع القانون تعليق التحقيقات والمحاكمات الجارية وفق نظام زمني مرتبط بطبيعة العقوبة المقررة للجريمة.
فالقضايا التي لا تتجاوز عقوبتها خمسة عشر عاماً من السجن تُعلق لمدة خمس سنوات، أما القضايا التي تزيد عقوبتها على ذلك، بما في ذلك المؤبد والمؤبد المشدد، فتُعلق لمدة عشر سنوات.
وخلال فترة التعليق، إذا لم يرتكب الشخص أي جريمة جديدة، تُغلق التحقيقات نهائياً أو تُسقط المحاكم الدعوى.
تعليق تنفيذ الأحكام
ولا يقتصر المشروع على القضايا المنظورة أمام القضاء، بل يمتد أيضاً إلى المحكومين الذين صدرت بحقهم أحكام نهائية.
فالأحكام التي لا تتجاوز مدتها خمسة عشر عاماً تُعلق لمدة خمس سنوات، بينما تُعلق الأحكام الأطول، بما فيها السجن المؤبد، لمدة عشر سنوات.
وفي حال التزم الشخص بالقانون ولم يرتكب جرائم جديدة خلال فترة التعليق، تعتبر العقوبة منفذة بالكامل وتنتهي آثارها القانونية.
الإفراج عن الموقوفين ورفع القيود القضائية
يفتح المشروع الباب أمام المحاكم للإفراج عن الأشخاص المشمولين بالقانون إذا كانوا موقوفين احتياطياً، كما يسمح برفع القيود القضائية الأخرى المفروضة عليهم.
ويمنح القانون حق الطعن في هذه القرارات خلال أسبوعين.
كذلك تُعلق جميع مدد التقادم المتعلقة بالملاحقات الجنائية أو تنفيذ الأحكام طوال فترة سريان التعليق.
شروط الاستفادة من القانون
لا يتيح المشروع الاستفادة تلقائياً لجميع الراغبين، بل يشترط تحقق عدة مراحل قانونية وإجرائية.
ويتعين على الراغبين في الاستفادة تقديم طلب خطي خلال ستة أشهر من تاريخ نشر قرار مجلس الأمن القومي في الجريدة الرسمية، والذي يؤكد رسمياً انتهاء نشاط حزب العمال الكردستاني بصورة كاملة وتسليمه جميع أسلحته.
وتُقدم الطلبات إلى النيابات العامة المختصة أو إلى المؤسسات المخولة بتطبيق القانون.
آلية تنفيذ متعددة المؤسسات
يقضي المشروع بأن تتولى وزارتا الداخلية والدفاع إعداد اللوائح التنفيذية الخاصة بإجراءات الاستسلام والتسجيل، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية.
كما ينشئ مجلساً تنفيذياً برئاسة نائب رئيس الجمهورية يتولى الإشراف على تنفيذ القانون.
ويضم المجلس وزراء العدل والخارجية والداخلية والدفاع، والأمين العام للرئاسة، ورئيس جهاز الاستخبارات الوطنية (MIT)، والأمين العام لمجلس الأمن القومي.
وسيكون جهاز الاستخبارات مسؤولاً عن التحقق من إتمام حزب العمال الكردستاني عملية التخلي الكامل عن السلاح قبل تفعيل أحكام القانون.
مراجعة دورية للملفات
يمنح المشروع المجلس التنفيذي صلاحية مراجعة قرارات تعليق التحقيقات والأحكام بصورة دورية.
كما يمكنه طلب رفع القيود القانونية الناتجة عن التحقيقات أو الأحكام القضائية.
ويسمح المشروع بإزالة هذه القيود بعد عامين بالنسبة للملفات التي خضعت لتعليق لمدة خمس سنوات، وبعد ثلاثة أعوام بالنسبة للملفات التي خضعت لتعليق لمدة عشر سنوات.
لجنة برلمانية لمراقبة التنفيذ
ينص المشروع أيضاً على تشكيل لجنة برلمانية تضم سبعة عشر عضواً تتولى متابعة تطبيق القانون، ورصد مدى التزام المؤسسات المختلفة بأحكامه، وتقييم نتائج التنفيذ بصورة مستمرة.
من مبادرة بهتشلي إلى مشروع القانون
يمثل المشروع أحدث حلقات المبادرة السياسية التي انطلقت بصورة مفاجئة في أكتوبر/تشرين الأول 2024، عندما دعا رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الحليف الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان، عبد الله أوجلان إلى توجيه نداء لحزب العمال الكردستاني من أجل التخلي عن السلاح.
واستجاب أوجلان لهذه الدعوة في فبراير/شباط 2025، داعياً التنظيم إلى إنهاء العمل المسلح.
وفي أعقاب ذلك، أعلن الحزب وقف إطلاق النار، ثم حل نفسه رسمياً، وأقام مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق، قبل أن يبدأ سحب مقاتليه من الأراضي التركية.
وأثارت هذه التطورات تساؤلات واسعة حول الوضع القانوني لعناصر الحزب، وما إذا كانوا سيتمكنون من العودة إلى تركيا دون التعرض مباشرة للمحاكمة أو السجن، وهو ما يسعى مشروع القانون الحالي إلى تنظيمه.
محاولة جديدة بعد فشل التجربة السابقة
تأتي المبادرة الحالية بعد نحو عقد من انهيار عملية السلام السابقة التي بدأت عام 2013 بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني.
فقد انهارت تلك المفاوضات في عام 2015، لتعود المواجهات العسكرية بوتيرة عنيفة، خصوصاً في محافظات جنوب شرقي تركيا ذات الأغلبية الكردية، مخلفة دماراً واسعاً وآلاف الضحايا.
ومنذ ذلك الحين، ظل الملف الكردي أحد أكثر القضايا تعقيداً في السياسة التركية، قبل أن تعود الاتصالات بصورة غير متوقعة خلال العامين الماضيين، لتصل اليوم إلى مرحلة وضع إطار تشريعي شامل لتنظيم إنهاء النزاع.
بين متطلبات الأمن ورهانات المصالحة
يحاول مشروع القانون الموازنة بين متطلبات الأمن القومي ومقتضيات التسوية السياسية، فهو يمنح فرصة قانونية لإعادة دمج عناصر الحزب الذين يتخلون عن السلاح، لكنه في الوقت نفسه يستبعد مرتكبي الجرائم الأشد خطورة، وفي مقدمتها جرائم القتل العمد وكبار قادة التنظيم.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه المبادرة لن يتوقف على إقرار القانون فحسب، بل سيعتمد أيضاً على مدى الالتزام الكامل بإنهاء النشاط المسلح، وعلى قدرة الدولة على إدارة عملية إعادة الإدماج بصورة تحقق الاستقرار، وتمنع عودة الصراع الذي أودى، منذ اندلاعه عام 1984، بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص، ولا يزال يلقي بظلاله على المشهدين السياسي والأمني في تركيا.

