تشهد الساحة السياسية التركية تصعيداً جديداً مع تقدم النيابة العامة في أنقرة بطلب رسمي لرفع الحصانة البرلمانية عن رئيس “الحزب الجديد” أوزغور أوزيل، والنائب ولي أغبابا، تمهيداً لملاحقتهما قضائياً على خلفية اتهامات تتعلق بتلقي رشى واستغلال النفوذ خلال الفترة التي كانا يشغلان فيها مناصب قيادية داخل حزب الشعب الجمهوري.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام تركية، أحالت النيابة العامة في العاصمة ملفين منفصلين إلى وزارة العدل يتضمنان ملخصات الاتهام بحق النائبين، في خطوة تمثل البداية الرسمية للإجراءات الدستورية اللازمة قبل إمكانية فتح محاكمة جنائية بحقهما.
اتهامات متكررة بتلقي الرشى
تستند النيابة إلى المادة 252 من قانون العقوبات التركي، الخاصة بجريمة الرشوة، وتتهم أوزيل وأغبابا بتلقي منافع مالية بصورة متكررة خلال فترة توليهما مسؤوليات قيادية في حزب الشعب الجمهوري.
وبحسب الادعاء، فإن أوزيل استغل نفوذه كرئيس للحزب لضمان إعادة ترشيح رئيس بلدية أنطاليا محيي الدين بوجيك لخوض الانتخابات المحلية التي جرت في مارس/آذار 2024، مقابل حصوله على منافع قدمها بوجيك ونجله مصطفى غوكهان بوجيك.
وتشير النيابة إلى أن تلك المنافع كانت تصل إلى أوزيل بصورة مباشرة، أو عبر ولي أغبابا، في أكثر من مناسبة، دون أن تكشف في بيانها الرسمي عن طبيعة هذه المنافع أو قيمتها المالية أو الأدلة التفصيلية التي تستند إليها.
شبهات تتعلق بمؤتمر حزب الشعب الجمهوري
لا تقتصر الاتهامات على ملف بلدية أنطاليا، إذ تتهم النيابة أوزيل أيضاً بالحصول على مزايا مالية من رئيس بلدية أوشاك أوزكان ياليم، خلال المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري الذي انعقد يومي الرابع والخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
وشهد ذلك المؤتمر فوز أوزيل برئاسة الحزب بعد إطاحته بالرئيس التاريخي للحزب كمال كليتشدار أوغلو، وهو المؤتمر الذي أصبح لاحقاً محور نزاع قضائي انتهى بإلغائه.
اتهامات مباشرة لولي أغبابا
يتضمن ملف الاتهام الموجه إلى ولي أغبابا سلسلة من المزاعم الإضافية، إذ تقول النيابة إنه، وبناءً على تعليمات أوزيل، تولى استلام المنافع المقدمة من نجل رئيس بلدية أنطاليا أثناء عملية إعادة ترشيح والده.
كما تتهمه باستغلال نفوذه لدى رئيس بلدية جانقايا التابعة للعاصمة أنقرة، من أجل منح عقد خاص بجمع النفايات إلى شركة بعينها عبر إجراءات تفاوضية، بدلاً من المنافسة المفتوحة.
وتضيف النيابة أن أغبابا جمع أموالاً من مسؤولين بلديين وأعضاء مجالس محلية في إزمير وعدد من المحافظات المجاورة، لاستخدامها في تمويل حملة الانتخابات المحلية لعام 2024.
ورغم خطورة هذه الاتهامات، لم تكشف النيابة حتى الآن عن الأدلة أو الوثائق التي تستند إليها، كما لم يصدر أي تعليق رسمي من أوزيل أو أغبابا رداً على هذه المزاعم.
رفع الحصانة… مسار دستوري طويل
لا يعني طلب النيابة رفع الحصانة البرلمانية أن الملاحقة القضائية ستبدأ تلقائياً، إذ يفرض الدستور التركي سلسلة من الإجراءات قبل الوصول إلى هذه المرحلة.
فبعد إعداد ملخص الاتهام، يُحال الملف إلى وزارة العدل، ومنها إلى رئاسة الجمهورية، قبل إرساله إلى البرلمان، حيث تتولى لجنة مشتركة تضم أعضاء من لجنتي العدل والدستور دراسة الطلب.
وتملك اللجنة صلاحية التوصية برفع الحصانة أو تأجيل الملاحقة إلى ما بعد انتهاء الولاية البرلمانية، بينما يبقى القرار النهائي بيد الجمعية العامة للبرلمان.
وفي حال وافق البرلمان على رفع الحصانة، يصبح بإمكان السلطات استدعاء النائب للتحقيق ومحاكمته، بل وحتى توقيفه احتياطياً إذا استدعت الإجراءات ذلك، من دون أن يؤدي هذا تلقائياً إلى فقدانه عضويته البرلمانية.
كما يمنح الدستور للنائب حق الطعن في قرار البرلمان أمام المحكمة الدستورية خلال سبعة أيام من صدوره.
الأغلبية البرلمانية ودورها الحاسم
يعتمد مصير طلب رفع الحصانة بدرجة كبيرة على موازين القوى داخل البرلمان التركي.
ويحظى حزب العدالة والتنمية الحاكم، إلى جانب حلفائه القوميين، بأغلبية كافية تمكنه من تحديد ما إذا كانت ملفات أوزيل وأغبابا ستنتقل إلى مرحلة التصويت النهائي أم ستبقى معلقة، وهو ما يجعل القرار ذا أبعاد سياسية إلى جانب طبيعته القانونية.
كما أن البرلمان التركي يشهد سنوياً عشرات طلبات رفع الحصانة بحق نواب من مختلف الأحزاب، ويبقى عدد كبير منها معلقاً لسنوات دون حسم.
من رئاسة حزب الشعب الجمهوري إلى تأسيس “الحزب الجديد”
كان أوزغور أوزيل قد انتُخب رئيساً لحزب الشعب الجمهوري في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وقاد الحزب إلى تحقيق أفضل نتائجه منذ سنوات في الانتخابات المحلية التي جرت في مارس/آذار 2024، بعدما تصدر التصويت الشعبي على مستوى البلاد واحتفظ بإدارة مدن كبرى، أبرزها إسطنبول وأنقرة وإزمير.
لكن هذا المشهد تغير بصورة دراماتيكية عندما قضت محكمة استئناف في الحادي والعشرين من مايو/أيار بإلغاء المؤتمر العام الذي أوصل أوزيل إلى رئاسة الحزب، وأعادت كمال كليتشدار أوغلو وقيادته السابقة إلى إدارة الحزب.
وبررت المحكمة قرارها بوجود مخالفات شابت عملية التصويت داخل المؤتمر، بينما اعتبر أوزيل وأنصاره أن الحكم يمثل تدخلاً سياسياً في شؤون أكبر أحزاب المعارضة التركية.
وفي أعقاب الأزمة، أعلن أوزيل استقالته من حزب الشعب الجمهوري، وأسس خلال يوليو/تموز “الحزب الجديد” برفقة تسعين نائباً، بينهم ولي أغبابا.
وأصبح الحزب الوليد يمتلك 91 مقعداً في البرلمان، ليتحول إلى أكبر كتلة معارضة، في حين تراجع تمثيل حزب الشعب الجمهوري إلى 44 نائباً فقط.
حملة مستمرة على البلديات المعارضة
يتزامن طلب رفع الحصانة مع استمرار التحقيقات الواسعة التي تستهدف البلديات التي يديرها حزب الشعب الجمهوري، عقب النجاحات التي حققها الحزب في الانتخابات المحلية.
وخلال الأشهر الماضية، أوقفت السلطات عشرات رؤساء البلديات والمسؤولين المحليين ورجال الأعمال، ضمن ملفات تتعلق بالرشوة، والتلاعب بالمناقصات، والاختلاس، والابتزاز، إضافة إلى قضايا مرتبطة بالإرهاب.
ويبرز رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو باعتباره أبرز الشخصيات التي طالتها هذه الحملة، إذ يقبع في السجن منذ مارس/آذار 2025، ويواجه سلسلة من اتهامات الفساد، بينما يرفض هو وأنصاره هذه الاتهامات ويؤكدون أنها ذات دوافع سياسية.
أبعاد سياسية وقانونية
تأتي هذه التطورات في مرحلة تشهد فيها الحياة السياسية التركية إعادة رسم لخريطة المعارضة، بعد الانقسام الذي أعقب الأزمة القضائية داخل حزب الشعب الجمهوري وتأسيس “الحزب الجديد”.
وفي المقابل، تؤكد السلطات التركية أن جميع التحقيقات الجارية تستند إلى شبهات جنائية بحتة، وأن القضاء يعمل بصورة مستقلة وفق القوانين النافذة، بينما ترى أطراف المعارضة ومنظمات حقوقية أن تزامن هذه القضايا مع التحولات السياسية الكبرى يثير تساؤلات حول تأثيرها في التوازنات السياسية والمنافسة الحزبية.
وبين المسار القضائي والإجراءات البرلمانية، يبدو أن ملف رفع الحصانة عن أوزيل وأغبابا قد يتحول إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية والقانونية إثارة للجدل في تركيا خلال المرحلة المقبلة، نظراً لما يحمله من انعكاسات على مستقبل المعارضة، وعلى طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسات القضائية والبرلمان.

