بقلم: سليم نيازي أوغلو
تشهد منطقة الخليج العربي منعطفاً دراماتيكياً في طبيعة الصراع البحري، حيث أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تدشين مرحلة “حراس مضيق هرمز”، وهي تسمية تتجاوز في أبعادها مجرد المراقبة لتصل إلى فرض حصار بحري شامل على إيران. هذه الاستراتيجية الجديدة، التي تم الإعلان عنها عبر منصة “تروث سوشال”، تهدف بشكل مباشر إلى شل الحركة الملاحية للسفن الإيرانية أو تلك المرتبطة بطهران ووكلائها، ومنعها من دخول الموانئ أو مغادرتها. ولم يقتصر التحرك الأميركي على الجانب العسكري فحسب، بل امتد ليشمل بعداً اقتصادياً مثيراً للجدل يتمثل في عزم الإدارة الأميركية فرض رسوم مالية توازي عشرين بالمائة من قيمة الشحنات التجارية العابرة للمضيق، تحت ذريعة “تكلفة التأمين والحماية”، وهو إجراء يصطدم بشكل صارخ مع القوانين الدولية التي تضمن حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية.
المواجهة الميدانية: ضربات “سنتكوم” وردود الفعل الإيرانية
على الأرض، لم يتأخر الصدام العسكري، حيث شنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عمليات هجومية استهدفت البنية التحتية الدفاعية الإيرانية، شملت رادارات ساحلية، ومنصات إطلاق صواريخ، وطائرات مسيرة، وزوارق سريعة في مناطق استراتيجية مثل جزيرة قشم وبندر عباس ومحافظة خوزستان. وفي المقابل، تبنى الحرس الثوري الإيراني استراتيجية “توسيع رقعة الرد”، حيث طالت ضرباته منشآت عسكرية أميركية في دول الجوار، شملت سلطنة عُمان والبحرين والكويت والأردن، مما يشير إلى أن المواجهة خرجت من نطاقها البحري الضيق لتتحول إلى حرب إقليمية مفتوحة. وقد أسفرت هذه الجولة من العنف عن مقتل خمسة وعشرين شخصاً، وسط تقارير عن انفجارات مستمرة تهز محيط المضيق.
انهيار المسار الدبلوماسي وتصدع التفاهمات
يأتي هذا الانفجار العسكري عقب انهيار مذكرة تفاهم كان قد جرى التوصل إليها في السابع عشر من يونيو الماضي، والتي كانت تهدف إلى وضع خارطة طريق للسلام الدائم خلال ستين يوماً. وكان هذا الاتفاق قد بني على أنقاض وقف إطلاق نار هش بدأ في أبريل، بعد مواجهة عنيفة في فبراير الماضي. إلا أن الاتهامات المتبادلة بخرق الالتزامات أدت إلى إعلان واشنطن نهاية الهدنة، بينما تصر طهران، عبر متحدث خارجيتها إسماعيل بقائي، على أنها التزمت بكافة البنود، محملة الطرف الأميركي مسؤولية انعدام الأمن. ورغم الجهود الحثيثة التي تبذلها قطر وسلطنة عُمان وباكستان كوسطاء إقليميين، إلا أن التباين الجذري حول إدارة المضيق، حيث تتمسك إيران بممر بحري واحد بمحاذاة سواحلها، يجعل فرص الحل الدبلوماسي تتضاءل أمام لغة الرصاص.
أمن الطاقة والورقة الاستراتيجية الكبرى
على الصعيد الاقتصادي، اهتزت أسواق الطاقة العالمية فور اندلاع شرارة التصعيد، حيث قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز تسعة وسبعين دولاراً للبرميل، بزيادة فاقت ثلاثة ونصف بالمائة. ويمثل هذا القلق انعكاساً للأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز، الذي يتدفق عبره خمس الإنتاج العالمي من النفط الخام. وفي تحليل يعكس الرؤية العسكرية الإيرانية، وصف محسن رضائي، مستشار المرشد الإيراني، المضيق بأنه ورقة استراتيجية تفوق في تأثيرها عشرات القنابل النووية، مؤكداً نية طهران الدفاع عن هذا النفوذ بكل الوسائل المتاحة. هذا التصور يجعل من المضيق ليس مجرد ممر تجاري، بل ساحة لكسر الإرادات الدولية.
الساحة اليمنية: امتداد الصراع وتداخل الملفات
لم تكن الساحة اليمنية بمعزل عن هذا التوتر، إذ نفذت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية عملية في مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل وفداً عائداً من مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي. هذا التطور يسلط الضوء على تداخل الملفات الإقليمية، حيث تُستخدم الساحة اليمنية كجبهة إضافية للضغط على النفوذ الإيراني، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة برمتها ويؤكد أن الصراع الحالي يتجاوز الجغرافيا الإيرانية ليشمل كافة نقاط التماس بين واشنطن وحلفائها من جهة، وطهران ووكلائها من جهة أخرى.
من السيطرة إلى الصدام الحتمي
إن الانتقال الأميركي من سياسة العقوبات الاقتصادية إلى فرض واقع “الحماية المالية والعسكرية” في مضيق هرمز يمثل محاولة لإعادة تعريف القواعد الملاحية الدولية بالقوة، وهو ما تعتبره طهران تهديداً وجودياً لسيادتها. هذا الصدام بين الرغبة الأميركية في الهيمنة الأمنية والتمسك الإيراني بالعمق الاستراتيجي يضع المنطقة أمام سيناريوهين: إما نجاح الوساطات في إيجاد صيغة تقنية لإدارة المضيق بعيداً عن الاستفزازات، أو الانزلاق نحو مواجهة شاملة ستكون تكلفتها على الاقتصاد العالمي باهظة وغير مسبوقة.
خلاصة القول: يشكل إعلان واشنطن فرض حصار بحري تحت مسمى “حراس هرمز” رصاصة الرحمة على التفاهمات الدبلوماسية، مما دفع المنطقة نحو صدام عسكري مباشر يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.

