مع اقتراب الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016، كثفت السلطات التركية إجراءاتها في الفضاء الرقمي، معلنة فرض قيود على آلاف الحسابات عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تنشر مضامين تكشف عما حدث في تلك الليلة الغامضة، في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا بشأن حدود مكافحة ما تصفه الحكومة بـ”الدعاية الإرهابية” من جهة، وتأثير تلك الإجراءات على حرية التعبير وتداول المعلومات من جهة أخرى.
وأعلن رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران أن السلطات فرضت خلال الشهر الأخير قيودًا على الوصول إلى 2702 حسابًا على وسائل التواصل الاجتماعي، قالت إنها مرتبطة بحركة فتح الله كولن، التي تتهمها أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، بينما تنفي الحركة هذه الاتهامات وتطالب منذ سنوات بتحقيق دولي مستقل في أحداث تلك الليلة.
وتزامن الإعلان مع اقتراب الذكرى السنوية العاشرة للأحداث، الأمر الذي دفع مراقبين ومنظمات معنية بالحقوق الرقمية إلى الربط بين تصاعد القيود الإلكترونية واستمرار الجدل حول الرواية الرسمية لما جرى في 15 يوليو.
تنسيق بين عدة مؤسسات حكومية لتنفيذ قرارات الحجب
بحسب تصريحات دوران، نُفذت قرارات حجب الحسابات من خلال تنسيق مشترك بين رئاسة دائرة الاتصال، والإدارة العامة للأمن، ممثلة في إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية، والنيابات العامة، وهيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التركية (BTK).
وأوضح أن هذه المؤسسات عملت بصورة مشتركة لاتخاذ الإجراءات القانونية والفنية اللازمة لمنع الوصول إلى الحسابات المستهدفة.
كما أعلن أن السلطات اتخذت خلال الشهرين الماضيين إجراءات قانونية وإدارية بحق 1652 حسابًا إضافيًا، بدعوى تورطها في نشر ما وصفته بـ”الدعاية الإرهابية” و”التضليل الإعلامي” و”الحرب النفسية”.
ولم تقدم السلطات في بيانها تفاصيل حول المعايير التي استندت إليها لتصنيف هذه الحسابات أو طبيعة المحتوى الذي أدى إلى اتخاذ تلك الإجراءات.
تصاعد القيود قبل الذكرى السنوية لمحاولة الانقلاب
أثار توقيت الإعلان اهتمامًا خاصًا، إذ جاء قبل أيام قليلة من حلول الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب.
ومنذ سنوات، تتمسك الحكومة التركية بالرواية الرسمية للأحداث، بينما يواصل صحفيون وباحثون وحقوقيون طرح تساؤلات تتعلق ببعض الجوانب التي يرون أنها لم تُحسم أو لم تُكشف تفاصيلها بصورة كاملة.
وخلال الأعوام الماضية، تعرضت منصات إعلامية وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تناولت روايات أو تحليلات تختلف عن الرواية الرسمية لقرارات حجب أو تقييد داخل تركيا، وهو ما يعتبره منتقدون جزءًا من سياسة أوسع لتعزيز الرقابة على المحتوى الرقمي.
انتقادات حقوقية: القيود لا تطال المتهمين فقط
ترى دوائر معارضة ومنظمات معنية بالحقوق الرقمية أن قرارات حجب الحسابات لا تقتصر على المحتوى الذي تصنفه الحكومة باعتباره مرتبطًا بالإرهاب، وإنما تمتد أحيانًا إلى آراء وتحليلات ومناقشات تتناول أحداث 15 يوليو من زوايا مختلفة.
ويشير مدافعون عن حرية التعبير إلى أن حجب آلاف الحسابات دفعة واحدة يثير تساؤلات حول مدى التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات وتبادل الآراء، مؤكدين أن القيود الجماعية على المحتوى الرقمي تستوجب رقابة قضائية دقيقة وضمانات قانونية واضحة.
في المقابل، تؤكد الحكومة التركية أن هذه الإجراءات تأتي في إطار مكافحة حملات التضليل والدعاية التي تعتبرها تهديدًا للأمن الوطني.
حجب وثائقيين يتناولان روايات مغايرة للأحداث
شملت قرارات الحجب أيضًا فيلمين وثائقيين هما “بيش تبه” (Beştepe) و”الشاهد.. بعد تلك الليلة” (TANIK / O Geceden Sonra).
ويتناول الوثائقيان شهادات شهود عيان ووثائق رسمية ومقاطع فيديو مرتبطة بأحداث ليلة 15 يوليو، مع التركيز على نقاط لا تزال محل نقاش وجدل، في محاولة لتقديم قراءة مختلفة لبعض تفاصيل تلك الليلة.
ويرى منتجو الوثائقيين أن الهدف من العملين هو إعادة فحص الوقائع استنادًا إلى شهادات ووثائق، بينما تعتبر السلطات أن المحتوى المرتبط بهذه الملفات قد يندرج ضمن الدعاية أو التضليل إذا خالف الرواية القضائية والرسمية المعتمدة.
ضابط سابق ينتقد قرارات الحجب
من بين الأصوات التي انتقدت قرارات الحجب، الضابط البحري السابق محمد داغجي، الذي فُصل من الخدمة بموجب مراسيم الطوارئ بعد محاولة الانقلاب.
ونشر داغجي عبر حساباته على مواقع التواصل روابط تعريفية بالوثائقيين، معتبرًا أن الشهادات والوثائق التي يتضمنانها تسهم في إظهار الحقيقة.
وقال إن مرور عشر سنوات على الأحداث أتاح لشهود ووثائق جديدة أن تظهر إلى العلن، مضيفًا أن الحقيقة، بحسب تعبيره، “تكشف ما وصفه بسنوات من الكراهية والافتراءات والتضليل”.
الصحفي آدم يافوز أرسلان: حُجبت 357 مادة مصورة من قناتي
أعلن الصحفي التركي آدم يافوز أرسلان أن القضاء التركي أصدر قرارات منفصلة بحجب 357 مقطع فيديو منشورًا على قناته في يوتيوب.
وأوضح أن قناته كانت محجوبة أصلًا داخل تركيا، إلا أن السلطات أصدرت هذه المرة قرارات منفصلة تخص كل مقطع على حدة.
وأشار إلى أن مجموع مدة المواد المحجوبة يقترب من 400 ساعة من البرامج والتقارير والتحقيقات.
وتساءل أرسلان عن الكيفية التي تمكنت بها الجهات المختصة من مراجعة هذا الكم الكبير من المحتوى وإصدار قرارات قضائية بحقه في فترة زمنية قصيرة، معتبرًا أن ذلك يثير تساؤلات حول مدى فحص المحتوى قبل إصدار الأحكام.
وأضاف أن إصدار مئات القرارات القضائية في اليوم نفسه يوحي – من وجهة نظره – بأن الهدف الأساسي كان تقييد المحتوى أكثر من تقييمه بصورة فردية، وهو ما اعتبره مؤشرًا على التحديات التي تواجه حرية الصحافة والتعبير في تركيا.
كما أعرب عن أسفه لحجب أرشيف إعلامي استغرق إنتاجه سنوات، ويضم برامج وتحقيقات وتقارير متعددة.
سياق أوسع: رقابة رقمية تتوسع عامًا بعد آخر
تأتي هذه التطورات في سياق تزايد قرارات حجب المحتوى الإلكتروني في تركيا خلال السنوات الأخيرة، حيث شملت الإجراءات آلاف الأخبار المنشورة على الإنترنت، ومقاطع الفيديو، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي.
وتواصل منظمات صحفية وهيئات حقوق الإنسان التعبير عن مخاوفها من تأثير هذه السياسات على حرية الإعلام والوصول إلى المعلومات، بينما تؤكد الحكومة التركية أن الرقابة الرقمية تستهدف المحتوى الذي ترى أنه يهدد الأمن القومي أو يروج للإرهاب أو ينشر معلومات مضللة.
وبعد مرور عشر سنوات على محاولة الانقلاب، لا يزال ملف 15 يوليو أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تركيا، إذ تتباين المواقف بين الرواية الرسمية للدولة، وبين أصوات إعلامية وحقوقية تطالب بإتاحة المجال لمناقشة مختلف الشهادات والوثائق المرتبطة بالأحداث دون قيود، مع ضمان احترام القانون وحرية التعبير في آن واحد.

