قدمت الضابطة التركية السابقة كوبرى يافوز، التي ظهرت في تسجيلات مصورة وهي ترافق رئيس جهاز الاستخبارات التركي آنذاك هاكان فيدان قبيل محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في 15 يوليو/تموز 2016، رواية تفصيلية عن تعرضها للاحتجاز والتهديد والإكراه داخل مقر هيئة الأركان العامة، مؤكدة أن ضباطًا آخرين كانوا محتجزين في المكان نفسه تعرضوا – بحسب شهادتها – للتعذيب وسوء المعاملة.
وجاءت شهادة يافوز للمرة الأولى بشكل موسع خارج قاعة المحكمة من خلال الفيلم الوثائقي الجديد “الشاهد / بعد تلك الليلة” (TANIK / O Geceden Sonra) الذي نشرته قناة Alesta على منصة يوتيوب، حيث تحدثت عن تجربتها الشخصية داخل مجمع هيئة الأركان عقب محاولة الانقلاب.
وكانت يافوز قد أثارت هذه الادعاءات سابقًا خلال جلسات محاكمتها عام 2017، إلا أن الوثائقي قدم رواية أكثر تفصيلًا حول ظروف اعتقالها والاستجوابات التي خضعت لها.
من ضابطة بروتوكول إلى متهمة في قضية الانقلاب
كانت كوبرى يافوز تعمل ضابطة بروتوكول في مقر هيئة الأركان العامة، وكانت ضمن قائمة تضم 221 متهمًا في القضية الرئيسية المتعلقة بالسيطرة على مقر القيادة العسكرية خلال محاولة الانقلاب.
وفي مارس/آذار 2017، قبلت المحكمة الجنائية العليا السابعة عشرة في أنقرة لائحة الاتهام التي وجهت إلى عشرات العسكريين تهمة الانتماء إلى ما وصفه الادعاء بـ”مجلس السلام في الوطن“ العسكري، وهو التشكيل الذي قالت السلطات التركية إنه قاد محاولة الاستيلاء على السلطة.
أسفرت محاولة الانقلاب عن مقتل 251 شخصًا وإصابة أكثر من ألف آخرين.
وعقب الأحداث مباشرة، حمّل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مسؤولية المحاولة الانقلابية لحركة كولن، وهي حركة دينية مدنية مستوحاة من أفكار الراحل فتح الله كولن الذي توفي عام 2024.
لكن الحركة نفت بشكل قاطع أي تورط لها في الانقلاب، وطالبت مرارًا بإجراء تحقيق دولي مستقل للكشف عن ملابسات الأحداث.
رواية يافوز عن الاعتقال داخل مقر هيئة الأركان
بحسب شهادة يافوز، فقد استُدعيت في الثاني من أغسطس/آب 2016 إلى مكتب الأمين العام لهيئة الأركان آنذاك عرفان أوزسرت، حيث كان موجودًا أيضًا قائد القوات الخاصة في ذلك الوقت زكائي أكساكالي.
وقالت إن أكساكالي اتهمها بالخيانة، وهددها بالإعدام، وأبلغها بأنها لن تغادر المبنى.
وأضافت أنها تعرضت بعدها للتقييد بالأصفاد، وتغطية عينيها، ثم نُقلت مع عدد من المعتقلين إلى ميدان للرماية داخل مجمع هيئة الأركان.
وتقول يافوز إن المكان كان مظلمًا، وإنها سمعت أصوات صراخ وضجيجًا كهربائيًا وأصواتًا اعتقدت أنها ناتجة عن استخدام الصدمات الكهربائية وأساليب تعذيب أخرى، من بينها الإيهام بالغرق باستخدام الماء.
ووصفت المشهد قائلة إن الأجواء كانت “كما لو أنك داخل مسلخ”، موضحة أن المعتقلين الذين كانوا ينتظرون دورهم كانوا يسمعون أصوات التعذيب تقترب منهم تدريجيًا.
مشاهدات داخل غرفة التحقيق
ذكرت يافوز أنها نُقلت لاحقًا إلى منطقة مخصصة للاستجواب، وهناك شاهدت ضابطًا آخر جالسًا على كرسي بطريقة منهكة، وكان جسده وملابسه مغطاة بالدماء، بعد تعرضه – وفق روايتها – للضرب والصدمات الكهربائية.
وأكدت أن المحققين لم يخفوا هوياتهم، وأنها تمكنت من رؤية وجوههم بوضوح.
وقالت إنها تعرفت على أحدهم باعتباره أرطغرل أربكان، وهو ضابط ارتقى لاحقًا إلى رتبة جنرال واستمر في الخدمة ضمن القوات الخاصة التركية.
وأضافت أن طبيعة الأسئلة التي وجهت إليها لم تكن تركز على دورها الفعلي خلال ليلة محاولة الانقلاب، وإنما كانت تهدف – حسب وصفها – إلى وضعها ضمن هيكل تنظيمي محدد مسبقًا.
وأوضحت أن المحققين طالبوها بالكشف عن اسم حركي مزعوم، وسألوها عن صلات مفترضة بحركة كولن.
اتهامات جاهزة وتوقيعات تحت الضغط
قالت يافوز إن المعتقلين حصلوا لاحقًا على إفادات مكتوبة مسبقًا، وأُجبروا على توقيعها.
وبحسب روايتها، كانت تلك الوثائق تصفهم بأنهم “إرهابيون”، رغم أن المحققين – كما تقول – لم يثبتوا خلال الاستجواب ما الذي قاموا به فعليًا أثناء محاولة الانقلاب.
وأكدت أنها تحدثت عن هذه الانتهاكات خلال جلسات قضائية لاحقة في القضية التي شملتها وزوجها، وهو أيضًا ضابط عسكري سابق.
وأضافت أن المحكمة طلبت من هيئة الأركان تحديد هوية الأشخاص الذين أجروا التحقيقات.
لكن يافوز قالت إن هيئة الأركان أقرت بوجود عمليات استجواب داخل المقر، إلا أنها ذكرت أنها لا تعرف أسماء أو عناوين المسؤولين عنها.
وأوضحت أن متهمين آخرين في قضايا الانقلاب استخدموا لاحقًا هذا الرد الرسمي عند تقديم شكاوى تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة.
ظهورها في ليلة الانقلاب برفقة هاكان فيدان
اكتسبت كوبرى يافوز شهرة عامة بعد انتشار تسجيلات كاميرات المراقبة التي أظهرتها وهي ترافق هاكان فيدان، رئيس جهاز الاستخبارات التركي آنذاك، أثناء مغادرته مقر هيئة الأركان مساء 15 يوليو/تموز.
وأكدت أن مرافقتها لفيدان كانت جزءًا طبيعيًا من مهامها كضابطة بروتوكول مناوبة، وأنها لم تكن تعلم مسبقًا بزيارته أو مضمون لقائه مع رئيس هيئة الأركان آنذاك خلوصي أكار.
وقالت إن أكار وفيدان واصلا الحديث خارج مكتب رئيس الأركان بعد انتهاء اللقاء، وإنهما بدا عليهما الارتياح والهدوء والابتهاج، وأضافت: “كانا في حالة معنوية جيدة جدًا”.
تسلسل أحداث ليلة 15 يوليو
لاحقًا في تلك الليلة، اقتحم جنود شاركوا في محاولة الانقلاب مقر هيئة الأركان، بحسب الرواية الرسمية، واحتجزوا خلوصي أكار رهينة، قبل نقله إلى قاعدة أقنجي الجوية خارج أنقرة، حيث بقي محتجزًا حتى إطلاق سراحه صباح اليوم التالي.
وتتذكر يافوز أنها رافقت فيدان إلى سيارته حوالي الساعة الثامنة وعشرين دقيقة مساءً، ثم عادت إلى مكتبها.
وبعد نحو 15 إلى 20 دقيقة، بدأت تسمع أصوات طائرات مقاتلة تحلق على ارتفاع منخفض وأصوات إطلاق نار.
ومع تصاعد التوترات وتجمع الحشود خارج المبنى، قالت إنها وعددًا من الضباط الآخرين أغلقوا أنفسهم داخل أحد المكاتب للحماية، قبل نقلهم لاحقًا إلى جزء آخر من المبنى.
وأكدت أنها غادرت مقر هيئة الأركان صباح اليوم التالي، ثم عادت إلى عملها بعد عطلة نهاية الأسبوع رغم الأضرار التي لحقت بالمجمع، واعتقال زملائها، وورود تقارير عن إساءة معاملة أفراد من الجيش.
ملف التعذيب بعد الانقلاب يظل محل جدل دولي
تأتي شهادة يافوز ضمن سلسلة طويلة من الادعاءات المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة بعد محاولة الانقلاب، في فترة شهدت توقيف وسجن عشرات الآلاف من الأشخاص بتهم مرتبطة بالإرهاب والانقلاب.
وبعد زيارة إلى تركيا في نهاية عام 2016، قال المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب إنه تلقى شهادات متكررة حول استخدام أساليب مثل الضرب الشديد، ووضعيات الضغط الجسدي القسري، وتغطية العينين لفترات طويلة، وتقييد اليدين، والحرمان من النوم، والتجريد القسري من الملابس، والعنف الجنسي.
وأشار التقرير الأممي إلى أن التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة كانت منتشرة خلال تلك الفترة.
كما صنّف مؤشر التعذيب العالمي لعام 2025 تركيا ضمن الدول ذات المخاطر المرتفعة، مشيرًا إلى وجود أوجه قصور خطيرة في ضمانات منع التعذيب والعوائق أمام محاسبة المسؤولين عنه.
تساؤلات جديدة حول ظروف محاولة الانقلاب
يتناول الفيلم الوثائقي أيضًا آراء السياسي النمساوي شتيفان شينّاخ، وهو أحد المقررين المشاركين في متابعة ملف تركيا داخل الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا.
وشكك شينّاخ في توقيت وطريقة تنفيذ محاولة الانقلاب، مشيرًا إلى أنها أصبحت علنية حوالي الساعة العاشرة مساءً عندما قام جنود بإغلاق جسري البوسفور في إسطنبول.
وقال إن الانقلابات العسكرية التقليدية تبدأ عادة قبل الفجر، وتركز في مراحلها الأولى على السيطرة على وسائل الاتصال والبنية الإعلامية.
وأضاف أن استمرار عمل التلفزيون والإنترنت وشبكات الهاتف المحمول، والذي سمح لأردوغان بالظهور عبر تطبيق فيس تايم ودعوة أنصاره إلى النزول للشوارع، ترك أسئلة مفتوحة حول كيفية تطور الأحداث.
حالة الطوارئ وحملة التطهير الواسعة
بعد خمسة أيام من محاولة الانقلاب، أعلنت الحكومة التركية حالة الطوارئ، وبدأت حملة واسعة لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة.
وبموجب مراسيم الطوارئ، تم فصل أكثر من 130 ألف موظف حكومي، بينهم آلاف القضاة والمدعين العامين والعسكريين.
كما أُغلقت وسائل إعلام ومدارس وجمعيات ومنظمات عديدة دون مراجعة قضائية، وفق انتقادات صدرت عن مؤسسات أوروبية ومنظمات حقوقية.
ورغم اعتراف هذه الجهات بحق تركيا في التحقيق مع المسؤولين عن محاولة الانقلاب، فإنها حذرت مرارًا من أن حجم الإجراءات وطابعها الجماعي أثارا مخاوف كبيرة بشأن سيادة القانون واستقلال القضاء والحقوق الأساسية.
حياة جديدة خارج تركيا ومحاولة استعادة المستقبل
قبل انتقالها للعمل في هيئة الأركان كضابطة بروتوكول، عملت يافوز مدرسًا للغة الإنجليزية في الأكاديمية العسكرية التركية بعد تخرجها من قسم تدريس اللغة الإنجليزية في جامعة دوكوز أيلول.
وتعيش يافوز حاليًا في النرويج برفقة زوجها، وتدرس مجال تكنولوجيا المعلومات.
وقالت إنها تأمل في المستقبل بالعودة إلى المجال الأكاديمي، واستعادة المسار المهني والحياة التي فقدتها بعد أحداث 15 يوليو/تموز 2016.

