بعد سنوات على محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا في الخامس عشر من تموز/يوليو من عام 2016، ما تزال تفاصيل تلك الليلة محل نقاش سياسي وقانوني وإعلامي واسع. وبينما تؤكد السلطات التركية أن الأحداث تمثل محاولة انقلاب نفذتها شبكة مرتبطة بحركة فتح الله كولن، يرى معارضون وباحثون ومحللون أن بعض الوقائع الزمنية والإجرائية لم تحظ حتى الآن بإجابات رسمية مقنعة.
ومن بين أبرز هذه الوقائع ما أصبح يُعرف بـ”فجوة الأربع والأربعين دقيقة”، وهي التسمية التي يستخدمها المحلل السياسي التركي أرقم طوفان لوصف الفارق الزمني بين بث “بيان الانقلاب” عبر قناة خاصة مقربة من السلطة، وبين قراءته لاحقاً على شاشة التلفزيون الرسمي التركي بعد سيطرة العسكريين عليه.
وبالنسبة إلى طوفان، فإن هذه الواقعة لا تمثل مجرد تفصيل إعلامي، بل تعد مفتاحاً لفهم كثير من التناقضات التي رافقت تلك الليلة، كما أنها تطرح -بحسب رأيه- أسئلة لا تزال دون إجابة رسمية حتى اليوم.
من أين بدأت “فجوة الـ44 دقيقة”؟
يرتكز تحليل أرقم طوفان على تسلسل زمني محدد يراه بالغ الدلالة.
فبحسب ما يورده، قام مراسل قناة A Haber (خبر أ) في أنقرة، مراد أغون، بقراءة نص بيان الانقلاب على الهواء عند الساعة 23:23.
غير أن البيان نفسه لم يظهر عبر شاشة التلفزيون الرسمي TRT إلا عند نحو الساعة 00:07 بعد منتصف الليل، عندما أجبرت مجموعة من العسكريين المذيعة تيجين كراكاش على تلاوته بعد السيطرة على مبنى المؤسسة.
وبين التوقيتين يمتد فارق زمني يبلغ 44 دقيقة كاملة.
ويرى طوفان أن هذا الفارق يثير سؤالاً بسيطاً في ظاهره، لكنه شديد الحساسية في مضمونه: كيف أصبح نص البيان متوافراً لدى قناة خاصة قبل أن يتمكن منفذو الانقلاب من بثه عبر المنصة الرسمية التي اختاروها لإعلانه؟
لماذا تحظى قناة “خبر أ” بهذه الأهمية؟
لا ينظر طوفان إلى الواقعة باعتبارها مجرد سبق إعلامي.
فهو يربطها بطبيعة القناة نفسها، مشيراً إلى أنها كانت آنذاك من أكثر المؤسسات الإعلامية قرباً من دوائر الحكم، كما كانت تُدار من قبل سرحات ألبيرق، شقيق برات البيرق، صهر الرئيس رجب طيب أردوغان.
وانطلاقاً من هذه الخلفية، يرى طوفان أن امتلاك القناة لنص البيان قبل التلفزيون الرسمي يستوجب تفسيراً رسمياً واضحاً، خصوصاً أن البيان ظهر على شاشة مؤسسة إعلامية محسوبة على السلطة قبل أن يقرأه العسكريون.
هل كان الأمر مجرد خطأ إعلامي؟
يقدم أرقم طوفان تفسيراً مختلفاً.
فبحسب تحليله، لا يمكن فصل هذه الواقعة عن السياق العام للأحداث، ويرى أن ظهور البيان مبكراً قد يكون نتيجة خلل في تنفيذ ما يصفه بـ”سيناريو سبق إعداده”، مؤكداً أن هذا الاستنتاج يمثل قراءته السياسية الخاصة للأحداث.
ويذهب إلى أن ما يعتبره “الاستعجال في بث البيان” أدى، بحسب رأيه، إلى كشف خلل في التسلسل المفترض للأحداث، الأمر الذي تسبب لاحقاً في تعقيد الرواية الرسمية.
كما يرى أن الواقعة تعزز، من وجهة نظره، فرضية وجود استعدادات مسبقة شملت نصوصاً وإجراءات جاهزة.
تناقضات توقيت علم الرئيس أردوغان
لا يتوقف طوفان عند الواقعة الإعلامية، بل يربطها بسلسلة تصريحات أدلى بها الرئيس رجب طيب أردوغان بشأن توقيت علمه بالمحاولة الانقلابية.
ويقول إن الرئيس قدم، في مناسبات مختلفة، أكثر من رواية زمنية حول اللحظة التي أُبلغ فيها بما يجري، مشيراً بصورة خاصة إلى التصريح الذي قال فيه إنه علم بالأحداث من صهره.
وبحسب طوفان، فإن تعدد الروايات الزمنية وعدم ثباتها أضعفا، في تقديره، الانسجام الداخلي للرواية الرسمية، وأثارا مزيداً من الأسئلة حول التسلسل الحقيقي للأحداث.
ويرى أن اختلاف هذه التوقيتات لا ينسجم مع حدث بحجم محاولة انقلاب، يفترض أن تكون تفاصيله الزمنية موثقة بدقة لدى مؤسسات الدولة.
الصمت الرسمي… هل زاد من مساحة الجدل؟
يشير طوفان إلى أن السلطات التركية لم تقدم، حتى الآن، تفسيراً مباشراً لسبب امتلاك قناة “خبر أ” نص البيان قبل إذاعته عبر التلفزيون الرسمي.
ومن وجهة نظره، فإن استمرار غياب الإجابة الرسمية حول هذه الواقعة أبقى باب التساؤلات مفتوحاً، خصوصاً مع مرور سنوات على الأحداث دون معالجة هذه النقطة بصورة مباشرة.
ويرى أن تجاهل هذا السؤال ساهم، في رأيه، في تعزيز الشكوك لدى شريحة من الباحثين والمهتمين بملف الانقلاب.
بين الرواية الرسمية والقراءات النقدية
في المقابل، تتمسك الدولة التركية بروايتها التي تؤكد أن محاولة الانقلاب نفذتها عناصر مرتبطة بحركة فتح الله كولن، وأن المؤسسات الأمنية والعسكرية واجهت تحركاً عسكرياً مفاجئاً انتهى بإفشاله.
أما أرقم ظوفان، فيرى أن الفجوات الزمنية والتناقضات الإعلامية والتصريحات المتعددة بشأن توقيت العلم بالأحداث تستحق، برأيه، مراجعة أكثر عمقاً، معتبراً أن هذه التفاصيل تجعل الرواية الرسمية بحاجة إلى مزيد من الإيضاحات.
ويؤكد أن طرح هذه الأسئلة لا يتعلق بإعادة كتابة التاريخ بقدر ما يتعلق، من وجهة نظره، بفهم كيفية إدارة واحدة من أكثر الليالي تأثيراً في التاريخ السياسي التركي الحديث.
تداعيات سياسية امتدت إلى ما بعد ليلة الانقلاب
يشير طوفان إلى أن أهمية هذه التساؤلات لا تنبع فقط من تفاصيل ليلة الانقلاب، بل أيضاً من النتائج التي ترتبت عليها لاحقاً.
فقد شهدت تركيا، بعد تلك الأحداث، واحدة من أوسع حملات الاعتقال والفصل من الوظائف العامة، كما أُعيد تشكيل مؤسسات الدولة، وأُدخلت تعديلات دستورية نقلت البلاد إلى النظام الرئاسي، فضلاً عن تغييرات واسعة في المؤسسة العسكرية والقضاء والأجهزة الأمنية.
ويرى أن هذه التحولات تجعل من الضروري، بحسب رأيه، استمرار البحث في جميع التفاصيل المرتبطة بتلك الليلة، لأن آثارها تجاوزت الحدث نفسه لتؤثر في شكل النظام السياسي التركي بأكمله.
التطورات الأخيرة… لماذا عاد الملف إلى الواجهة؟
خلال السنوات الأخيرة، عاد الجدل حول أحداث الخامس عشر من تموز إلى الواجهة مع استمرار نشر شهادات جديدة لضباط سابقين، ومسؤولين أمنيين، وصحفيين، إضافة إلى وثائق ومحاضر جلسات قضائية وتقارير بحثية تتناول التسلسل الزمني للأحداث.
وفي المقابل، تواصل الحكومة التركية التأكيد على الرواية الرسمية، وترفض الاتهامات التي تشكك في طبيعة المحاولة الانقلابية أو في كيفية إدارتها، معتبرة أن الأحكام القضائية والملفات الرسمية حسمت هذا الملف، لكنها تتجنب الاستجابة لطلب حركة كولن بتشكيل لجنة دولية مستقلة لتقصى حقائق ما حدث في تلك الليلة.

