بقلم: سليم نيازي أوغلو
تنتقل المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران من سياق الضربات الخاطفة والمحدودة إلى فضاء حرب استنزاف مفتوحة وشاملة، حيث تجاوز الصراع يومه التاسع من التصعيد المستمر، معيداً شبح الحرب الشاملة إلى واجهة الأحداث الإقليمية والدولية. ولم يعد هذا الصراع محصوراً في نقاط تماس تقليدية، بل تمدد ليشمل رقعة جغرافية واسعة تمتد من العمق الإيراني إلى العراق وسوريا والأردن والكويت وصولاً إلى الممرات المائية الحيوية في الخليج العربي ومضيق هرمز.
تحولات الميدان: من الردع إلى الاستنزاف الممنهج
تؤشر المعطيات الميدانية على أن المنطقة دخلت مرحلة “حرب الاستنزاف المتبادل”، حيث يسعى كل طرف إلى رفع كلفة بقاء الآخر في المعادلة دون الانزلاق الكامل نحو مواجهة شطرنجية كبرى قد لا يمكن السيطرة على مآلاتها. فبينما تعتمد واشنطن على تفوقها التكنولوجي والجوّي لتقويض البنى التحتية العسكرية الإيرانية، تراهن طهران على إطالة أمد الصراع وتوسيع جبهاته لإرباك الحسابات الأميركية سياسياً وعسكرياً.
ملامح التصعيد العسكري وتوزع القوى
نفذت القوات الأميركية سلسلة من الضربات الجوية، وصلت إلى الموجة الثامنة والتاسعة، استهدفت مدناً إيرانية حيوية مثل تبریز، وجابهار، وكونارك، وبندر الإمام الخميني، مركزة على منصات المراقبة الساحلية ومنشآت الدفاع الجوي.
في المقابل، فعّلت إيران استراتيجية “توزيع الضغوط” عبر استهداف شبكة القواعد الأميركية، حيث طالت هجماتها قاعدة علي السالم في الكويت، ومطار العقبة في الأردن، وقاعدة التنف في سوريا، مستخدمة مزيجاً من الصواريخ والطائرات المسيرة.
ارتفعت حصيلة الخسائر البشرية الأميركية إلى 17 قتيلاً وأكثر من 420 مصاباً، مما يشكل ضغطاً داخلياً متزايداً على الإدارة الأميركية لاتخاذ مواقف أكثر حزماً أو البحث عن مخارج تحمي قواتها المنتشرة.
الجبهة البحرية: سلاح الطاقة والاقتصاد العالمي
شهد الصراع تحولاً جوهرياً بانتقاله إلى المجال البحري، حيث تحول مضيق هرمز من ممر مائي تجاري إلى “مركز ثقل” في معادلة الردع. ولم تعد الرسائل العسكرية تقتصر على تدمير الرادارات، بل امتدت لتطال عصب الاقتصاد العالمي عبر تهديد سلامة الملاحة الدولية.
تداعيات المواجهة البحرية
أدى استهداف ناقلات النفط والتقارير عن اندلاع حرائق في سفن قرب السواحل العمانية إلى اضطراب فوري في الأسواق، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز 90 دولاراً للبرميل.
تهدف واشنطن من عملياتها البحرية إلى تأمين حرية الملاحة وإضعاف قدرة الحرس الثوري على فرض قيود في المضيق، بينما ترى طهران في تهديد الممر المائي ورقة ضغط استراتيجية لتعويض الفارق في القوى التقليدية.
الأمن الخليجي في عين العاصفة
أثبتت الهجمات الأخيرة أن دول الخليج لم تعد بمنأى عن شظايا هذه المواجهة، بل أصبحت جزءاً من “ساحة الاشتباك المترابطة”. إن استهداف المواقع في الكويت والبحرين، وتفعيل المملكة العربية السعودية لـنظام الإنذار المبكر لأول مرة منذ أشهر، يعكس إدراكاً عميقاً بأن الحرب تقترب من المناطق الأمنية الحيوية لدول المنطقة.
تجد دول المنطقة نفسها أمام معضلة معقدة؛ فهي تسعى لحماية منشآتها الاقتصادية وتدفقات الطاقة، وفي الوقت ذاته تحاول تجنب التحول إلى طرف مباشر في صراع قد يدمر المكتسبات التنموية. هذا الاتساع الجغرافي يرسل رسائل سياسية واضحة بأن أي تصعيد في جبهة سيتبعه بالضرورة رد في جبهة أخرى.
الآفاق المستقبلية: غياب الدبلوماسية وسيناريوهات الانفجار
مع انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة، وفقدان المسار الدبلوماسي لمصداقيته، يبدو أن الطرفين قد استعدا لمواجهة قد تمتد لأشهر. واشنطن تؤكد استمرار ضرباتها “تكريماً” لجنودها، بينما ترى طهران أن الاستنزاف هو السبيل الوحيد لرفع كلفة الوجود الأميركي في المنطقة.
مخاطر المشهد العام
إن استمرار هذا النمط من الحروب، وإن بدا “مسيطرًا عليه” في بعض جوانبه، يحمل في طياته مخاطر هائلة ناتجة عن سوء التقدير أو الحوادث الميدانية غير المحسوبة. فالفصل بين “الردع” و”الانفجار الشامل” أصبح خيطاً رفيعاً يتآكل مع كل ضربة جديدة. المنطقة اليوم لا تواجه مجرد جولة من العنف، بل تعيد رسم معادلات الأمن والاستقرار وفق موازين قوى جديدة، حيث لا يهدف أي طرف إلى النصر السريع، بل إلى البقاء وحيداً في ساحة منهكة.

