أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض حزمة جديدة من العقوبات على شبكة دولية متهمة بغسل الأموال وتمويل أنشطة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وبالتحديد فيلق القدس، إلى جانب حزب الله.
وتكشف هذه الإجراءات عن مسار مالي معقد يبدأ من النفط الإيراني وينتهي بتحويلات مالية عبر أسواق غير رسمية، مروراً بعدة دول من بينها تركيا.
آلية العمل: نفط مقابل ذهب ثم تحويلات سرية
بحسب وزارة الخزانة، قامت الشبكة بتهريب النفط الإيراني إلى فنزويلا، خلال فترة حكم نيكولاس مادورو، مقابل الحصول على الذهب، الذي تم شراء جزء منه بأسعار أقل من السوق.
لاحقاً، جرى نقل هذا الذهب جواً إلى طهران عبر شركة Mahan Air، الخاضعة لعقوبات أمريكية، حيث تسلمه عناصر مرتبطون بحزب الله، من بينهم الممول علي قاصر.
ومن هناك، تم تهريب الذهب إلى تركيا، حيث جرى بيعه في السوق السوداء، قبل إعادة العائدات المالية إلى إيران، ضمن قناة تمويل استمرت لأكثر من خمس سنوات.
الشخصية المحورية: موسوي ودوره في الشبكة
العقوبات شملت المواطن الإيراني سيد نعيمائي بدر الدين موسوي، الذي وصفته واشنطن بأنه ممول رئيسي لحزب الله ومرتبط بفيلق القدس.
وتشير المعلومات إلى أنه لعب دوراً محورياً في ترتيب صفقات النفط مقابل الذهب، كما تولى لاحقاً مهام كان يديرها رجل الأعمال أليكس صعب بعد توقيفه عام 2020.
كما عمل موسوي بالتنسيق مع طارق العيسمي، نائب الرئيس الفنزويلي ووزير النفط السابق، المصنف أمريكياً كمتورط في تهريب المخدرات، إضافة إلى وسيط الشحن فيكتور أرتيموف.
تقنيات التهريب: أساليب معقدة لتجاوز الرقابة
اعتمدت الشبكة على أساليب متقدمة للتمويه، شملت عمليات نقل النفط بين السفن في عرض البحر، والتلاعب بأنظمة التعريف الآلي للسفن، واستخدام ما يُعرف بـ“الناقلات الشبحية”.
كما أشارت البيانات إلى أن بعض الصفقات لم تقتصر على الذهب، بل شملت أيضاً الألماس كوسيلة دفع.
شبكة أوسع: إمبراطورية نفطية خفية مرتبطة بإيران وروسيا
تأتي هذه العقوبات ضمن عملية أوسع استهدفت شبكة يديرها محمد حسين شمخاني، نجل المسؤول الإيراني الراحل علي شمخاني، الذي قُتل خلال ضربات أمريكية–إسرائيلية على إيران في فبراير الماضي.
وزارة الخزانة وصفت هذه الشبكة بأنها منظومة ضخمة بمليارات الدولارات لتسويق النفط الإيراني والروسي، وتعتمد على أسطول من ناقلات النفط والغاز المسال.
وشملت العقوبات عشرات الأفراد والشركات والسفن، من بينها ناقلات نقلت ملايين البراميل من المنتجات النفطية خلال عام 2025.
شركات واجهة في الإمارات ومحاولات شراء سفن جديدة
تعتمد الشبكة أيضاً على شركات واجهة مقرها الإمارات، تعمل في مجالات الشحن والخدمات الإدارية، لإضفاء طابع قانوني على أنشطتها.
ومن بين الكيانات التي شملتها العقوبات شركات سعت إلى شراء سفن جديدة بملايين الدولارات من كوريا الجنوبية خلال عامي 2025 و2026.
الإطار القانوني للعقوبات وتصعيد “الضغط الأقصى”
استندت الإجراءات الأمريكية إلى أوامر تنفيذية تستهدف قطاعات رئيسية من الاقتصاد الإيراني، إلى جانب قوانين مكافحة الإرهاب.
وتُعد هذه الحزمة امتداداً لحملة أوسع بدأت منذ عام 2025، حيث فرضت واشنطن عقوبات على أكثر من ألف جهة، تشمل أفراداً وشركات وسفناً وطائرات.
وزير الخزانة سكوت بيسنت أكد أن بلاده ستواصل استهداف الشبكات التي تدر أرباحاً للنظام الإيراني “على حساب شعبه”، مشدداً على استمرار الجهود لقطع قنوات التمويل غير المشروعة.
البعد التركي: موقع حساس في شبكة معقدة
إدراج تركيا كمحطة في هذه الشبكة يسلط الضوء على دور الأسواق غير الرسمية في استيعاب تدفقات الذهب، ويضع أنقرة أمام تحديات رقابية واقتصادية، خاصة في ظل موقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة عبور بين آسيا وأوروبا.
كما يعكس ذلك تعقيدات التداخل بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي في المنطقة، حيث يمكن أن تتحول بعض الأسواق إلى حلقات ضمن شبكات مالية عابرة للحدود.
اقتصاد الظل كأداة في الصراعات الجيوسياسية
تكشف هذه القضية عن تحول متزايد نحو استخدام اقتصاد الظل كأداة للالتفاف على العقوبات الدولية، حيث يتم دمج التجارة غير المشروعة مع شبكات مالية معقدة تربط بين عدة قارات.
كما أن اعتماد النفط مقابل الذهب يعكس محاولة لتجاوز النظام المالي العالمي القائم على الدولار، في ظل تصاعد الضغوط الغربية على إيران وحلفائها.

