في إطار توجه متصاعد نحو تعميق الحضور التركي في آسيا، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان زيارة رسمية إلى سنغافورة، التقى خلالها رئيس الوزراء لورنس وونغ، في خطوة تعكس اهتمام أنقرة بتوسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية والأمنية في جنوب شرق آسيا. الزيارة، التي جاءت بدعوة رسمية من وزير خارجية سنغافورة فيفيان بالاكريشنان، تعد الأولى لفيدان منذ توليه منصبه، وتحمل دلالات سياسية واقتصادية تتجاوز الطابع البروتوكولي.
ملفات التعاون: اقتصاد، أمن، واستثمار
المحادثات بين الجانبين تركزت على تعزيز التعاون في مجالات متعددة تشمل التجارة والاستثمار، إلى جانب التنسيق في القضايا الأمنية والدفاعية. كما التقى فيدان بوزير الشؤون الداخلية والمنسق لشؤون الأمن القومي كيه شانموغام، في مؤشر على أهمية البعد الأمني في العلاقات الثنائية، خاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بتزايد التحديات.
سنغافورة: بوابة استراتيجية في جنوب شرق آسيا
تكتسب سنغافورة أهمية خاصة في الحسابات التركية، نظراً لموقعها الحيوي عند تقاطع أهم خطوط الملاحة العالمية، إضافة إلى مكانتها كمركز مالي وتجاري ولوجستي رئيسي في آسيا. هذا الموقع يجعل منها شريكاً محورياً لأنقرة في مساعيها لتعزيز حضورها في الأسواق الآسيوية سريعة النمو.
تطور العلاقات الثنائية: من الشراكة إلى التكامل
العلاقات بين تركيا وسنغافورة شهدت تطوراً ملحوظاً منذ إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، والتي تعززت لاحقاً عبر توقيع اتفاقية تجارة حرة دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2017. وتصف وزارة الخارجية التركية هذه الاتفاقية بأنها الأكثر شمولاً ضمن اتفاقياتها التجارية، ما يعكس عمق الرهان التركي على هذه العلاقة.
التبادل التجاري: مؤشرات نمو وتنوع
بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 1.44 مليار دولار خلال عام 2024، وفق بيانات رسمية تركية. وتشمل الصادرات التركية إلى سنغافورة الوقود المعدني، المجوهرات، الحديد والصلب، السفن، المعدات الكهربائية، والأدوية. في المقابل، تستورد تركيا من سنغافورة منتجات طبية، أجزاء الآلات، البلاستيك، الأجهزة البصرية والتقنية، المطاط الصناعي، والمواد الكيميائية العضوية، ما يعكس تكاملاً نسبياً في البنية الاقتصادية للطرفين.
البعد الإقليمي: بوابة نحو رابطة آسيان
تأتي هذه الزيارة أيضاً في سياق سعي تركيا لتعزيز علاقاتها مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، التي تضم عشر دول من بينها سنغافورة. وكانت أنقرة قد حصلت على صفة شريك حوار قطاعي مع الرابطة، وتسعى حالياً للارتقاء إلى مستوى الشريك الكامل، وهو ما يمنحها ثقلاً أكبر في التفاعلات الإقليمية.
خطاب استراتيجي في مرحلة اضطراب عالمي
من المنتظر أن يلقي فيدان كلمة في “محاضرة رافلز” التي ينظمها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، حيث سيعرض رؤية تركيا لسياستها الخارجية في ظل تصاعد حالة عدم اليقين الأمني عالمياً. هذه المنصة تعد من أبرز الفضاءات الفكرية للنقاش الاستراتيجي في آسيا، ما يمنح الخطاب بعداً يتجاوز الإطار الثنائي.
لماذا تتجه تركيا شرقاً؟
تعكس هذه الزيارة توجهاً تركياً متزايداً نحو تنويع الشركاء الدوليين وتقليل الاعتماد على المحاور التقليدية في الغرب. فجنوب شرق آسيا يوفر فرصاً اقتصادية كبيرة، إلى جانب موقعه الحيوي في سلاسل الإمداد العالمية. كما أن التعاون مع دول مثل سنغافورة يمنح أنقرة إمكانية الوصول إلى شبكات مالية وتقنية متقدمة، في وقت تسعى فيه لتعزيز مكانتها كقوة متوسطة متعددة الاتجاهات.
في المقابل، تنظر سنغافورة إلى تركيا كشريك صاعد يمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً يربط بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، ما يفتح آفاقاً لتعاون ثلاثي الأبعاد يتجاوز الإطار الثنائي التقليدي.
خلاصة
تعكس زيارة هاكان فيدان إلى سنغافورة تحولاً عملياً في السياسة الخارجية التركية نحو آسيا، مدفوعاً باعتبارات اقتصادية وجيوسياسية متشابكة. كما تؤكد الزيارة سعي أنقرة لتعزيز موقعها ضمن التوازنات الدولية عبر شراكات مرنة ومتعددة الاتجاهات.

