يرى الكاتب الصحفي التركي المخضرم حسن جمال، في مقال له عبر موقع (TR24) الإخباري، أن المشهد السياسي التركي الراهن يقف أمام منعطف تاريخي مع تمرير “القانون الإطاري” في البرلمان، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات إنهاء الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني. ومع ذلك، يطرح جمال تساؤلات جوهرية تتجاوز مجرد صمت المدافع، مشدداً على أن “تركيا بلا إرهاب” هي غاية نبيلة، لكنها تظل منقوصة وناقصة ما لم تقترن بـ “تركيا ديمقراطية” تقوم على أسس متينة من الحقوق والعدالة.
ما وراء السلاح: استحقاقات السلام المستدام
يؤكد حسن جمال أن الخطوات المتعلقة بحل التنظيم لنفسه وإلقاء السلاح ودفنه تحت التراب تمثل بلا شك بوابة نحو السلام المنشود، وهي لحظة ينتظرها المجتمع ليتوقف نزيف الدماء وتكف الأمهات عن ذرف الدموع. بيد أن الكاتب يرى أن هذا المسار لا يمكن أن يكتمل دون معالجة جذرية لـ”القضية الكردية“، وضمان حقوق المواطنة المتساوية لجميع الأكراد، معتبراً أن غياب هذه الحقوق يجعل من أي سلام مجرد استراحة مؤقتة لا ترتكز على قواعد صلبة.
هيكلية الدولة: من الهيمنة إلى سيادة القانون
ينتقد جمال في تحليله تركز السلطة في يد “الرجل الواحد”، داعياً إلى ضرورة استعادة نظام فصل السلطات الذي يضمن استقلال السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية، بحيث تراقب كل منها الأخرى وتمنع التغول على حقوق الأفراد. ويشدد على أن جوهر العدالة يكمن في وجود قضاة ومدعين عامين يلتزمون بروح القانون ونصوصه، لا بأهواء السلطة السياسية أو الأجندات الحزبية، بما يضمن سيادة حقيقية للقانون فوق الجميع.
الحريات العامة والكرامة السياسية
يشير جمال إلى أن المؤشرات الحقيقية للديمقراطية لا تقتصر على غياب العنف، بل تمتد لتشمل حرية الإعلام، ووجود صحافة حرة تعكس نبض الشارع وتراقب السلطة دون خوف، والاستقلال الأكاديمي وتوفير بيئة جامعية مستقلة تضمن حرية البحث والتفكير بعيداً عن الوصاية الأمنية أو السياسية، وإنهاء نظام الوصاية والعودة إلى احترام إرادة الشعب ووقف ممارسة تعيين “الأوصياء” على البلديات، وهو ما يراه تقويضاً للممارسة الديمقراطية المحلية، فضلا عن تبييض السجون وخلو المعتقلات من السجناء والموقوفين السياسيين كبادرة ضرورية لطي صفحة الماضي وبناء الثقة.
الرؤية السياسية والتحليل السياقي
يعرب حسن جمال عن حذره الشديد تجاه التحركات الحالية لثنائي أردوغان ودولت باهتشلي، مشيراً إلى أن سجلهم الحافل بالتناقضات يدفعه لاتخاذ موقف “الحذر المتفائل”؛ فهو من جهة يفتح باب الأمل لأن الغاية هي السلام، لكنه من جهة أخرى يخشى أن تكون المناورات السياسية غاية في حد ذاتها على حساب الجوهر الديمقراطي. ويستذكر جمال موقفه الثابت الذي سجله منذ أبريل 2025، مؤكداً أنه لا يزال عند قناعته بأن “تركيا بلا إرهاب” هي خطوة جيدة، لكنها تظل غير كافية ما لم تكن تركيا ديمقراطية بالكامل.
إن التحليل المعمق الذي يقدمه جمال عبر (TR24) يخلص إلى أن البرلمان الذي يمرر القوانين الإطارية اليوم، مطالب أيضاً بترسيخ قيم الحق والعدل، لأن السلام الذي لا يحميه القانون ولا تظلله الديمقراطية هو سلام هش لا يملك مقومات البقاء والاستمرار.

