يقدم الباحث والكاتب التركي أيدوغان وطنداش قراءة نقدية وتفصيلية لعمق التحولات السياسية التي طرأت على بنية الحكم في تركيا، راصدًا الانزياح من الوصاية العسكرية الكلاسيكية إلى عهد جديد من الهيمنة الأحادية المتمثلة في حكم الرئيس رجب طيب أردوغان.
في مقال بموقع (TR724) الإخبار التركي، يرى وطنداش أن هذا الانتقال يمثل نموذجًا لتآكل التطلعات الديمقراطية واستبدالها بنظام أوتوقراطي مفرط الفردية، متجاوزًا الآمال العريضة التي واكبت الصعود السياسي لحزب العدالة والتنمية.
البدايات الواعدة ومآلات “العصر الذهبي“
يشير الباحث أيدوغان وطنداش إلى أن الحقبة الممتدة بين عامي ٢٠٠٢ و٢٠٠٧ مثلت ما يُعرف بـ”العصر الذهبي” لحزب العدالة والتنمية. وتميزت هذه الفترة بمؤشرات نمو اقتصادي شامل وملموس، ترافق مع إطلاق حزمة من الإصلاحات الديمقراطية الهيكلية. وشملت هذه الإصلاحات إعادة ترتيب العلاقات المعقدة بين المؤسستين المدنية والعسكرية، وتوسيع نطاق حقوق الأقليات، بما في ذلك الحقوق الثقافية واللغوية للمواطنين الأكراد.
أوجدت هذه التغيرات مناخًا من الثقة لدى النخب الفكرية التركية، وبخاصة حركة كولن، التي علقت آمالًا على قدرة الحزب على تفكيك ركائز الاستبداد وإقامة نظام ديمقراطي متكامل. وبحلول الأعوام الممتدة بين ٢٠٠٩ و٢٠١١، نجحت الحكومة في صياغة أطر قانونية تحد من تدخل القوات المسلحة في العملية السياسية، لتقطع الطريق أمام أي محاولات انقلابية مستقبلاً.
إلا أن النتيجة النهائية جاءت على النقيض من هذه التوقعات؛ فلم تفرز هذه الخطوات ديمقراطية مؤسساتية، بل تمخضت عن نظام أوتوقراطي شديد الفردية يدور في فلك أردوغان. وهنا يطرح وطنداش حزمة من التساؤلات التحليلية الاستنكارية:
- هل كانت تلك الإصلاحات الباكرة مجرد غطاء خارجي وواجهة تجميلية؟
- هل تذرع أردوغان وحاشيته الضيقة بالديمقراطية ريثما تحين اللحظة المناسبة لتمكين أجندتهم الفعلية؟
- هل افتقد الحزب منذ تأسيسه العقيدة الديمقراطية الحقيقية؟
- أم أن أردوغان وقع تحت تأثير وهم امتلاك رسالة “مسيانية” لقيادة العالم الإسلامي تحت مسمى “الخلافة”؟
العقبات البنيوية وإرث “الدولة القوية والمجتمع الواهن“
في سياق تفسير هذا الإخفاق الديمقراطي، يعرض وطنداش وجهات نظر متباينة تفسر عجز تركيا عن ترسيخ الديمقراطية:
- مقاومة النخبة الكمالية: تُعزى العقبة الأولى إلى المقاومة المستمرة التي أبدتها المؤسسات الكمالية التقليدية، والتي وقفت سدًا منيعًا أمام التحديث السياسي والديمقراطي.
- تسييد الدولة وإضعاف المجتمع: تكمن المعضلة الكبرى في تبني نموذج التحديث العلماني الفوقي، الذي منح الأولوية لتشييد أمة متجانسة تحت سيطرة “دولة قوية ومجتمع واهن”. تسبب هذا الإرث في صياغة علاقة رأسية أحادية الاتجاه تقمع المجتمع المدني وتحرمه من تشكيل فضاء مستقل عن الرقابة البيروقراطية. وتبعًا لذلك، عجزت المنظومة التركية عن التحول إلى الليبرالية حتى بعد إقرار التعددية الحزبية عام ١٩٤٦.
خطيئة الليبراليين وتفكيك الكوابح القضائية
يوضح وطنداش أن النخب الليبرالية ومراكز الفكر الدولية ارتكبت خطأً فادحًا عندما عجزت عن التنبؤ بالمسار الحقيقي لنوايا أردوغان. فقد افترض هؤلاء أن مجرد تقليم أظافر المؤسسة العسكرية وإضعاف الأجهزة القضائية التقليدية كفيل بإنتاج ديمقراطية تلقائية. وكان هذا الافتراض شبيهاً بانتظار ولادة الديمقراطية على يد اليمين المتطرف المتمثل في حركة “لو بان” بفرنسا. فالأحزاب السياسية ذات الطابع الرسولي تعتقد بخلود بقائها في السلطة، وهو ما يتنافى مع مبادئ التداول السلمي للحكم.
ويستشهد الباحث بطروحات المفكر أندرو أراتو لتوضيح كيف عمي الليبراليون عن فهم دور المحكمة الدستورية. فقد اعتبروها مجرد أداة وصاية عسكرية، متناسين قيمتها كصمام أمان لكبح جموح الحزب المهيمن. ويوضح الكاتب أن المحكمة الدستورية اتخذت تاريخيًا قرارات صبت في مصلحة التعددية؛ ففي عام ٢٠٠٧، سمحت باستفتاء انتخاب الرئيس مباشرة بعد قرار نصاب الثلثين، كما رفضت بأغلبية ضئيلة إغلاق حزب العدالة والتنمية عام ٢٠٠٨.
كما يتطرق وطنداش إلى قراءة كليفورد أندرسون، الذي أكد أن حزب العدالة والتنمية عمل بجدية لإخضاع القضاء للهيمنة التنفيذية وإلغاء مبدأ الفصل بين السلطات ليتسنى له التهام مفاصل الدولة بلا رقيب. وبحسب أراتو، فإن تعديلات استفتاء عام ٢٠١٠ الدستورية تضمنت حوافز شكلية كواجهة لتمرير مشروع متكامل يهدف لبناء “نظام رئاسي مفرط السلطات” يزيح كافة العوائق القضائية والرقابية.
السيكولوجية القيادية لأردوغان وسماتها الأوتوقراطية
يفرد أيدوغان وطنداش مساحة واسعة لتحليل السمات الشخصية للرئيس التركي وتأثيرها المباشر في إعادة تشكيل البنية السياسية. ويستند في ذلك إلى دراسة أعدتها الباحثتان أيلين غورينر وميلتيم أوجال، بالاعتماد على نموذج مارغريت هيرمان لتحليل سمات القادة. وخلصت الدراسة إلى أن أردوغان يتميز بالخصائص التالية:
- جمود المعتقدات والخيارات الفكرية والسياسية.
- ميله لتصفية المعلومات واختزالها لرؤية ما يتسق مع قناعاته فقط، مما حد من مهاراته الدبلوماسية في الميادين الدولية.
- تفكيره القائم على الثنائيات الحدية الحادة، حيث يصنف الفضاء العام إلى صراع مطلق بين الخير والشر، والعدل والظلم، والجاني والضحية.
- توجهه “الرسولي” أو “التبليغي” الذي يدفعه لتحدي القيود الخارجية وإغلاق قنوات التواصل مع الأفكار المغايرة.
ويضيف وطنداش، عبر نقله لآراء الباحثين عرفان آريك وجافيد يافوز، أن كاريزما أردوغان لا تصب بالضرورة في صالح المسار الديمقراطي. وتاريخيًا، يؤدي اقتران السمات السلطوية بالكاريزما الفردية إلى الديكتاتورية. ويبرز هنا تحليل لويس الذي يوضح كيف يستغل القادة الكاريزميون “العدوانية المستقطبة” لتأجيج مشاعر الإحباط والأفكار المسبقة لدى الجماهير. كما يدعم ذلك طرح بينتو وإيتويل ولارسن، الذين يربطون بين صعود الديكتاتور وحاجته لأتباع يتماهون مع مزاياه الذاتية الاستثنائية، مستغلين لحظات الأزمات الكبرى لإعادة هيكلة السلطة.
النرجسية القومية وتوظيف “عقدة الخلافة“
يربط الباحث وطنداش سلوك السلطة الحاكمة بوجود آلية دفاع نفسية جماعية للتعامل مع الصدمات التاريخية. فطبقًا لتحليلات ماريا تشانغ، تبدأ النرجسية القومية المدمرة من الهزائم الكبرى والانهيارات الجماعية، مثل تفكك الإمبراطورية العثمانية ومعاهدة سيفر وإلغاء الخلافة. وخلقت هذه الأحداث هوية وطنية قلقة ومجروحة، ما جعل المجتمع يهرب نحو “خيال جماعي” تروّج له القيادة الحالية كأداة للتعويض التاريخي.
ويشير الكاتب إلى أن “رؤية ٢٠٢٣” التي بلورها أردوغان بالتشارك مع أحمد داود أوغلو لم تنشد تفعيل الحقوق المدنية أو بناء دولة ديمقراطية، بل ركزت على دغدغة العواطف الشعبية واستعادة أمجاد الماضي الإمبراطوري المتخيل للتعبئة السياسية. وفي هذا السياق، تطورت النظرة الجماهيرية لأردوغان لدى شريحة واسعة من مؤيديه ليروا فيه “الخليفة المنتظر”. ويسوق وطنداش عدة شواهد ملموسة تعزز هذه القراءة:
- تصريحات الكاتب عبد الرحمن ديليباك الذي زعم أن فوز أردوغان بالانتخابات الرئاسية سيعيد منصب الخلافة تلقائيًا، وأن القصر الرئاسي الجديد المكون من ألف غرفة سيحتضن ممثلين ومستشارين عن أقاليم إسلامية متعددة ليشكلوا نواة “الاتحاد الإسلامي”.
- ما دونه عضو مجلس إدارة حزب العدالة والتنمية، سعاد أونال، عبر حسابه على فيسبوك، مؤكدًا أن أردوغان سيصبح خليفة بحلول عام ٢٠٢٣.
- إعلان المستشار السابق لقناة “إيه هابر” الموالية، أتيلغان بايار، تقديم البيعة الشرعية لأردوغان بوصفه خليفة للأمة.
- ما نشرته الكاتبة بيهان دميرجي واصفةً إياه بـ”ظل الله على الأرض”، معتبرة أن كونه خليفة يمنحه الحق في استخدام الأموال بطرق ملتوية لخدمة الأهداف السياسية الكبرى.
من الناحية التاريخية والأكاديمية، يستحضر وطنداش دراسة الدكتورة منى حسن (جامعة ديوك) حول صدمتي إلغاء الخلافة وتطلع العديد من الملوك والحكام تاريخيًا لهذا اللقب لتعزيز مكانتهم (مثل الخليفة المخلوع عبد المجيد، شريف مكة حسين، ملك مصر فؤاد، أمير أفغانستان أمان الله خان، إمام اليمن يحيى، سلطان نجد ابن سعود، سلطان المغرب يوسف بن حسن، نظام حيدر آباد، السنوسي في ليبيا، الخطابي في الريف المغربي، وحتى مصطفى كمال أتاتورك).
يتوازى ذلك مع تصريح أردوغان العلني في فبراير من عام ٢٠١٨، والذي أكد فيه أن الجمهورية التركية المعاصرة تمثل امتدادًا عضويًا وتاريخيًا للدولة العثمانية بذات الروح والمؤسسات، وإن تبدلت الحدود الإقليمية. كما يذكر الكاتب ترويجات قدير مصر أوغلو (الذي عمل مع أردوغان منذ الثمانينيات) بأن العمليات العسكرية التركية في سوريا والعراق تهدف لإعادة تأسيس الإمبراطورية وتتويجه خليفة.
الوهم الأيديولوجي ومآلات الدولة الدينية
ينبه الباحث التركي وطنداش إلى أن تبني فكرة إقامة دولة دينية قد يستهوي العواطف الشعبية، لكنه من الناحية العملية لا يضمن حل المشكلات البنيوية للمجتمع. فالقواعد المثلى تفقد قيمتها عندما تُسلم لأفراد غارقين في الفساد، لتتحول النصوص السامية إلى أداة لتسويغ التجاوزات. وهكذا، تتحول جاذبية “الخلافة” إلى غطاء يحجب الواقع الأخلاقي المتردي.
ويشير الكاتب إلى تحليل علي فياتشيسلاف بولوسين، الذي أوضح أن أردوغان استغل ببراعة الرموز الدينية وصورته كقارئ للقرآن تفيض ملامحه بالوقار ليقدم نفسه بصورة “حاكم المؤمنين” وليس كرئيس لجمهورية علمانية، بهدف كسب شعبية إقليمية واسعة.
الهندسة الاجتماعية ومستقبل التحول الديمقراطي
يخلص أيدوغان وطنداش إلى أن الدولة التركية لم تتخلص من رغبتها التاريخية في ممارسة “الهندسة الاجتماعية الفوقية”. فبينما كان النظام الكمالي يمارس هذه الهندسة برؤية علمانية صارمة مستلهمًا من شخصية أتاتورك “المنقذ شبه الأسطوري”، نجد أن أردوغان يسعى اليوم لصناعة “جيل متدين” وصياغة دستور يتوافق مع منظومة القيم التي يحددها، مما يثبت استمرار عقلية التوجيه القسري للمجتمعç
ويختتم الباحث تحليله بالتأكيد على أن تركيا لم تشهد تطوراً ديمقراطياً عقب تصفية المؤسسة العسكرية من الفضاء السياسي، بل مرت بعملية “شخصنة وأردغنة” ممنهجة للمؤسسات. وفي ظل غياب مقومات الديمقراطية العميقة، يرى وطنداش أن المستقبل المنظور لا يحمل آمالًا بتأسيس ديمقراطية حقيقية، بل سيقتصر المشهد على إعادة توزيع مراكز القوى وتداول النفوذ بين النخب السياسية المهيمنة.
التطورات السياسية والاقتصادية الراهنة في تركيا (2023 – 2026)
شهدت الساحة التركية بعد الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٢٣ تحولاً دراماتيكياً؛ فبينما نجح أردوغان في توطيد سلطته الرئاسية لولاية جديدة مستخدماً أدوات الدولة، اضطر نتيجة الأزمة المعيشية المستعرة لتغيير بوصلته الاقتصادية بالكامل نحو السياسات التقليدية (الأرثوذكسية) بقيادة محمد شيمشك للسيطرة على التضخم المستعر. ومع ذلك، شكلت الانتخابات البلدية في مارس ٢٠٢٤ صدمة غير مسبوقة للحزب الحاكم بتراجع شعبيته للمرتبة الثانية وطنيا لأول مرة منذ تأسيسه، مما يرسخ الانقسام العميق ويعزز حضور المعارضة كبديل مستقبلي بارز لعام ٢٠٢٨ إن جرى السباق الانتخابي في إطار قواعد المنافسة الديمقراطية.

