في مقال بموقع (TR724) الإخباري التركي، يرى الكاتب والباحث التركي أيدوغان وطنداش أن قراءة الأزمة المالية التي هزّت سوق الصناديق الاستثمارية في تركيا خلال خريف 2026 باعتبارها حادثة مالية منفصلة تقود إلى فهم ناقص للمشهد. فالأزمة، وفق هذا المنظور، كانت نتيجة مسار بدأ قبل أشهر من انفجارها العلني.
ففي الربع الأخير من عام 2025، رصدت هيئة الأسواق المالية التركية تحركات سعرية غير اعتيادية في أسهم منخفضة التداول، ارتبطت ببعض صناديق الاستثمار، ولم تكن قابلة للتفسير بسهولة استناداً إلى الأساسيات الاقتصادية للشركات. وفي الثاني من ديسمبر/كانون الأول 2025، أُثير الملف داخل لجنة الاستقرار المالي برئاسة وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك، قبل أن تنشئ الهيئة في اليوم التالي مجموعة عمل لمتابعة المسألة. وهذه النقطة أصبحت لاحقاً مؤكدة رسمياً من جانب الهيئة نفسها.
وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2026، اتضح حجم الانفجار: فقد قررت السلطات تصفية أكثر من مئة صندوق، وتحدثت التقارير عن تأثر نحو نصف مليون مستثمر وأصول تقترب من عشرين مليار دولار، فيما امتدت التحقيقات إلى مئات الأشخاص.
لذلك لا يضع وطنداش السؤال الأساسي عند حدود: متى اكتشفت الدولة الخلل؟ بل ينقله إلى مستوى سياسي أكثر حساسية: متى أصبح رجب طيب أردوغان شخصياً على علم بحجم المشكلة، ومن الذي نقل إليه التحذير؟
اجتماع 27 مارس يكتسب أهمية جديدة
في هذا السياق، يكتسب اجتماع أردوغان مع لورانس فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك والرئيس المشارك للمنتدى الاقتصادي العالمي، في إسطنبول يوم 27 مارس/آذار 2026، أهمية خاصة في قراءة وطنداش.
الاجتماع عُقد خلف أبواب مغلقة في مكتب الرئاسة بدولمة بهتشه، بحضور وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك ووزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار ومسؤولين من المنتدى الاقتصادي العالمي. وأكدت الرئاسة أن اللقاء تناول تقييمات المستثمرين الدوليين للاقتصاد التركي.
ويشير وطنداش إلى أن أهمية الاجتماع لا تكمن في إثبات أن فينك حمل رسالة سياسية من واشنطن أو إسرائيل؛ فلا توجد، بحسب المعطيات المتاحة، أدلة تثبت ذلك. وإنما تكمن في طبيعة الرجل والمؤسسة التي يمثلها، وفي وزن أي تحذير يصدر عن أكبر مديري الأصول في العالم عندما يتعلق الأمر باستقرار سوق مالية بحجم السوق التركية.
أما الزعم بأن ملف الصناديق كان تحديداً على جدول أعمال الاجتماع، فيقدمه وطنداش بوصفه معلومة من مصدر أمني قريب من دوائر أمريكية، وليس بوصفه حقيقة مثبتة رسمياً. وهذه التفرقة ضرورية، خصوصاً أن الاجتماع نفسه كان سرياً ولم تُنشر تفاصيل محادثاته.
هاكان فيدان بين واشنطن وأنقرة
الطبقة الثانية في قراءة وطنداش تتعلق بوزير الخارجية هاكان فيدان. ففي مارس 2026 كان فيدان يتحرك في ملفات شديدة الحساسية بالنسبة لتركيا والولايات المتحدة.
في الثالث من مارس، أعلن أن أنقرة تعمل مع واشنطن على معالجة العقوبات الأمريكية المفروضة بموجب قانون كاتسا، المرتبطة بشراء تركيا منظومة إس-400 الروسية. كما أشار إلى أن أنقرة تسعى إلى تسوية الملف قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وفي الرابع من مارس، تحدث فيدان هاتفياً مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بعد تعرض تركيا لتهديد صاروخي إيراني، فيما أعلنت واشنطن دعمها الكامل لأنقرة.
ثم توسعت الاتصالات التركية مع طرفي الحرب الأمريكية ـ الإيرانية. وفي 25 مارس، أكدت مصادر تركية أن أنقرة كانت تنقل رسائل بين واشنطن وطهران في محاولة لخفض التصعيد والعودة إلى التفاوض، بينما كان فيدان على اتصال بالجانبين.
وبالتالي، يرى وطنداش أن فيدان لم يكن في تلك اللحظة مجرد وزير خارجية داخل الحكومة التركية، بل أصبح أحد أهم قنوات الاتصال بين أنقرة وواشنطن في ملفات إيران وسوريا وحلف الناتو والعقوبات والأمن الإقليمي.
خلافة أردوغان: فرضية سياسية لا حقيقة محسومة
هنا ينتقل تحليل وطنداش من الوقائع إلى تفسير أكثر اتساعاً. فهو يربط بين الصعود المتزايد لفيدان وبين الحديث عن صراع محتمل داخل دوائر السلطة حول مرحلة ما بعد أردوغان.
وترد في هذا السياق فرضية وجود تنافس بين الدائرة المحيطة بنجل الرئيس، بلال أردوغان، وبين شبكة النفوذ المرتبطة بفيدان. وتتناول هذه الفرضية اختلاف مصادر النفوذ: فالأولى تُنسب إليها امتدادات في السياسة والإعلام والبيروقراطية، بينما يستند فيدان إلى سنوات طويلة في جهاز الاستخبارات وعلاقات متراكمة داخل المؤسسة الأمنية والدبلوماسية.
وتشير دراسة حديثة لمركز الدراسات الشرقية إلى أن النقاش حول خلافة أردوغان أصبح أكثر حضوراً في تركيا، وأن أسماء بلال أردوغان وسلجوق بيرقدار وهاكان فيدان طُرحت في سياق الحديث عن مرحلة انتقال السلطة، مع التحذير من أن تركّز النظام السياسي حول أردوغان يجعل انتقال السلطة مسألة شديدة الحساسية.
ملف كوزين أوغلو يعود بعد خمسة عشر عاماً
ضمن هذه الصورة، يولي وطنداش أهمية كبيرة لإعادة فتح ملف كاشف كوزين أوغلو، ضابط الاستخبارات السابق الذي توفي في سجن سيليفري عام 2011.
كان كوزين أوغلو قد عُيّن في سبتمبر/أيلول 2010 مستشاراً أول لمنطقة آسيا في جهاز الاستخبارات، وكان هكان فيدان آنذاك رئيساً للجهاز. وبعد وفاة كوزين أوغلو، انتهى التحقيق الأول عام 2012 إلى قرار بحفظ الملف.
لكن في 26 أغسطس/آب 2026 أُلغي قرار الحفظ وأعيد فتح التحقيق. وتوسعت الإجراءات لاحقاً لتشمل موظفين في السجن وأفراداً من الطواقم الصحية وشهوداً وأشخاصاً آخرين، مع اتخاذ إجراءات توقيف ورقابة قضائية بحق عدد من المشتبه بهم. كما أُعيد فحص ظروف الوفاة، بما في ذلك احتمال تدخل طرف ثالث.
ويرى وطنداش أن أهمية الملف لا تكمن فقط في قضية وفاة قديمة، بل في احتمال أن تعيد التحقيقات إلى الواجهة شبكة العلاقات التي تشكلت داخل جهاز الاستخبارات خلال المرحلة التي كان فيها فيدان في موقع القيادة.
ومع ذلك، لا تثبت الأدلة العلنية الحالية أن التحقيق أُعيد فتحه بهدف استهداف فيدان، ولا أن الملف يشكل عملية سياسية ضده. ما يلفت الانتباه، وفق وطنداش، هو التوقيت: إعادة فتح القضية جاءت في لحظة تتقاطع فيها أزمة مالية واسعة مع نقاش متزايد حول موازين القوة داخل الدولة.
من كاآن إلى العقوبات الأمريكية
يعود وطنداش أيضاً إلى سبتمبر/أيلول 2025، حين تحدث فيدان في نيويورك عن العقبات الأمريكية أمام توريد محركات الطائرة التركية المقاتلة كاآن. وقال آنذاك إن تراخيص المحركات لا تزال عالقة في الكونغرس الأمريكي، وإن الإنتاج لا يمكن أن يبدأ من دون الحصول عليها.
ومن منظور وطنداش، تكشف هذه الواقعة حجم اعتماد السياسة التركية، حتى في الملفات الدفاعية، على شبكة علاقات دولية لا يمكن فصلها عن الحسابات الداخلية.
وتعززت هذه الحساسية في سبتمبر 2026 عندما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على بنك Golden Global Yatırım Bankası وشركتين تابعتين له، متهمة إياها بتسهيل معاملات مرتبطة بإيران والحرس الثوري. البنك رفض الاتهامات وأعلن عزمه اتخاذ إجراءات قانونية.
وبذلك أصبح الملف الإيراني نفسه نقطة تقاطع بين السياسة الخارجية التركية والضغوط المالية الأمريكية والأمن الإقليمي.
ما الذي تغير بعد انفجار الأزمة؟
بحلول نهاية سبتمبر، لم تعد أزمة الصناديق مجرد اضطراب في سوق الأسهم. أنشأت الرئاسة التركية مجلساً لتنسيق عملية تصفية الصناديق، في محاولة لحماية حقوق المستثمرين واستعادة الثقة.
وفي الأول من أكتوبر، أعلنت هيئة الأسواق المالية بدء دفعات مؤقتة للمستثمرين المتضررين، مع آليات مختلفة بحسب حجم الاستثمار، بينما دخلت عملية التصفية مرحلة تنفيذية واسعة.
كما كشفت التقارير عن تحقيقات شملت 217 شخصاً واحتجاز 56 منهم، مع الاشتباه في عمليات تلاعب بأسعار الأسهم.
هذه التطورات تجعل الأزمة أكبر من قصة أرباح وهمية أو صناديق انهارت؛ فهي اختبار لقدرة الدولة التركية على الفصل بين حماية المستثمرين، ومحاسبة التلاعب، والحفاظ على الثقة في سوق رأس المال.
ثلاث ساحات لصراع واحد
الخلاصة التي يقترحها وطنداش هي أن الأحداث لا ينبغي أن تُقرأ في جزر منفصلة. أزمة الصناديق تمثل ساحة المال، وملف كوزين أوغلو والتحقيقات يمثلان ساحة القضاء والأمن، بينما يمثل فيدان وعلاقاته مع واشنطن الساحة الدولية.
ومن هذا المنظور، فإن السؤال الأوسع ليس فقط من يتحمل مسؤولية أزمة الصناديق، ولا من يقف وراء إعادة فتح ملف قديم، وإنما كيف ستتوزع مراكز النفوذ في تركيا إذا اقتربت لحظة الانتقال السياسي.
ويطرح وطنداش، في جوهر تحليله، سؤالاً أكثر حساسية: إذا أراد أردوغان تقليص نفوذ هاكان فيدان، فهل يستطيع فعل ذلك بقرار داخلي صرف، أم أن وزن فيدان في ملفات سوريا وإيران والناتو وواشنطن يجعل أي محاولة لإبعاده ذات تكلفة دولية أيضاً؟
لكن التطورات الأخيرة تضيف متغيراً مهماً: أزمة الصناديق أصبحت الآن قضية مؤسسية واسعة تتعلق بالرقابة على الأسواق، فيما يستمر فيدان في لعب دور دبلوماسي مركزي؛ فقد كان من المقرر أن يشارك في الخامس من أكتوبر 2026 في اجتماع استراتيجي بين تركيا والسعودية وباكستان في الرياض لمناقشة التطورات الإقليمية وتطور التحالف الدفاعي.
وبذلك، تبدو معادلة 2026 أكثر تعقيداً من مجرد منافسة شخصية على خلافة أردوغان. إنها مواجهة بين المال، والمؤسسات، والأمن، والدبلوماسية، وشبكات النفوذ. وفي قلب هذه المعادلة يبقى السؤال الذي يضعه أيدوغان وطنداش في مقدمة المشهد: عندما تبدأ تركيا فعلياً في الانتقال إلى مرحلة ما بعد أردوغان، من ستكون لديه القدرة على التحكم في الدولة، ومن سيكون قادراً على التأثير في اتجاهها؟

