اتفقت تركيا وبلغاريا على توسيع نطاق التعاون الأمني بينهما، بحيث لا يقتصر على ضبط الحدود ومواجهة الهجرة غير النظامية، بل يمتد بصورة أكبر إلى مكافحة شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود وتهريب البشر والمخدرات، إلى جانب ما وصفه الجانبان بـ«الجريمة المنظمة من الجيل الجديد».
وجاء الاتفاق خلال زيارة عمل أجراها وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي إلى العاصمة البلغارية صوفيا، حيث عقد مباحثات مع نظيره البلغاري إيفان ديميردجييف، تناولت بصورة خاصة أمن الحدود المشتركة وآليات التعامل مع التحديات الأمنية التي تتجاوز قدرة أي دولة على معالجتها منفردة.
وتعكس المباحثات اتجاهاً متزايداً نحو تحويل التعاون التركي ـ البلغاري من تنسيق يركز أساساً على الهجرة وحماية الحدود إلى شراكة أمنية أوسع تشمل تبادل المعلومات، وتعقب الشبكات الإجرامية، وملاحقة الأموال والأصول المرتبطة بالفساد والجريمة المنظمة.
الحدود التركية ـ البلغارية في قلب المعادلة الأوروبية
تحظى الحدود بين تركيا وبلغاريا بأهمية استثنائية بالنسبة إلى الأمن الأوروبي، إذ تمثل الحدود البلغارية مع تركيا جزءاً من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، كما أصبحت أكثر أهمية بعد انضمام بلغاريا بصورة كاملة إلى منطقة شنغن في يناير/كانون الثاني 2025.
وتُعد هذه الحدود أحد المسارات التي تستخدمها شبكات تهريب المهاجرين والأشخاص الراغبين في الوصول إلى أوروبا، الأمر الذي يجعل التعاون بين أنقرة وصوفيا ذا أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، ليصبح جزءاً من منظومة أوسع مرتبطة بإدارة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
ومن هذا المنظور، فإن تشديد التنسيق بين البلدين لا يرتبط فقط بمنع العبور غير النظامي، وإنما يستهدف أيضاً الشبكات التي تقف خلف حركة الأشخاص والأموال والسلع غير المشروعة عبر الحدود.
أنقرة تتحدث عن تراجع كبير في الهجرة غير النظامية
وخلال المباحثات، أشار وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي إلى أن التعاون الثلاثي بين تركيا وبلغاريا واليونان أدى، وفق تقدير الجانب التركي، إلى انخفاض بنسبة 97 في المئة في الهجرة غير النظامية في المنطقة.
إلا أن هذه النسبة لم تُرفق بفترة زمنية محددة أو ببيانات تفصيلية تسمح بالتحقق المستقل من حجم الانخفاض أو طريقة احتسابه. ولذلك تبقى النسبة، في الوقت الراهن، رقماً أعلنته السلطات التركية من دون أن تتوافر في التصريحات المنشورة معطيات كافية لتقييمه بصورة مستقلة.
وقال تشيفتشي إن تشديد الرقابة والتنسيق الأمني أدى إلى تغير مسارات الهجرة، بمعنى أن الضغط على الطرق التقليدية دفع شبكات التهريب والمهاجرين إلى البحث عن مسارات بديلة. وهذه النقطة تحمل أهمية خاصة، إذ إن انخفاض حركة العبور في منطقة معينة لا يعني بالضرورة اختفاء الظاهرة، بل قد يعكس انتقالها جغرافياً إلى طرق أخرى.
من مكافحة التهريب إلى مواجهة «الجريمة من الجيل الجديد»
لم تعد الهجرة غير النظامية القضية الأمنية الوحيدة على أجندة أنقرة وصوفيا. فقد اتفق الوزيران على تعزيز التعاون في مواجهة ما وصفاه بـ«مجموعات الجريمة المنظمة من الجيل الجديد»، إلى جانب شبكات تهريب المخدرات والاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.
ويشير هذا التوجه إلى توسع مفهوم أمن الحدود نفسه. فالحدود الحديثة لم تعد مجرد خط جغرافي يجب مراقبته، وإنما أصبحت نقطة تماس بين شبكات إجرامية تعمل في أكثر من دولة، وتستخدم وسائل اتصال وتمويلاً ونقلاً عابرين للحدود.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية، وتنسيق التحقيقات، وتتبع حركة الأموال والأصول، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات الضبط على المعابر الحدودية.
تركيا تساعد بلغاريا في تعقب أموال الفساد
ومن أبرز الملفات التي ظهرت خلال اللقاء التعاون في مجال تعقب الأصول المرتبطة بالفساد.
وقال الوزير البلغاري إيفان ديميردجييف إن تركيا ستساعد بلاده في تحديد واستعادة أصول يُعتقد أنها جرى الحصول عليها من خلال أنشطة فساد ونُقلت إلى الخارج. وأشار إلى أن مبالغ كبيرة من الأموال المرتبطة بالفساد في بلغاريا يتم تحويلها إلى تركيا ودول أخرى، ما يجعل التعاون الدولي ضرورياً لتعقبها واستعادتها.
ويمثل هذا الجانب تحولاً مهماً في طبيعة التعاون الأمني بين البلدين، لأن ملاحقة الجريمة المنظمة لم تعد تقتصر على القبض على أفراد الشبكات، وإنما تشمل أيضاً محاولة الوصول إلى الموارد المالية التي تسمح لهذه الشبكات بالاستمرار.
أكاديميات الشرطة تدخل على خط التعاون
ولتعزيز التعاون على المستوى المؤسسي، وقّعت أكاديميات الشرطة في البلدين مذكرة تفاهم تهدف إلى تطوير التعاون في مجال التدريب، وتوسيع الاتصالات المباشرة بين الضباط والمؤسسات الأمنية.
ومن شأن هذا النوع من التعاون أن يخلق قنوات اتصال أكثر انتظاماً بين الأجهزة المختصة، ويساعد على تبادل الخبرات وأساليب العمل والتدريب، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والجرائم العابرة للحدود.
وبذلك لا يقتصر التعاون على اللقاءات السياسية بين وزارتي الداخلية، بل يمتد إلى المستوى المهني والتدريبي للأجهزة الأمنية نفسها.
تنسيق ثلاثي بين تركيا وبلغاريا واليونان
وتأتي التحركات التركية ـ البلغارية في وقت يتجه فيه التعاون الأمني في جنوب شرق أوروبا إلى مزيد من التنسيق الإقليمي.
ففي يوليو/تموز الماضي، عززت بلغاريا واليونان تعاونهما في مجال أمن الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، واتفقتا على إنشاء مركز اتصال مشترك للشرطة والجمارك عند معبر كولاتا ـ برومخاس، إلى جانب ترتيبات لتنفيذ دوريات مشتركة على المناطق الحدودية وتطوير آليات التعامل مع المطاردات العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، يبدو أن آلية التعاون بين تركيا وبلغاريا واليونان آخذة في التحول من إطار يركز أساساً على مكافحة الهجرة إلى منصة أوسع لمواجهة الجريمة العابرة للحدود وتهريب المخدرات والشبكات المنظمة. وقال تشيفتشي إن الدول الثلاث تعتزم جعل هذه الآلية أكثر فاعلية في مواجهة هذه التحديات.
كما سبق أن بحثت السلطات البلغارية والتركية في أبريل/نيسان الماضي تعزيز حماية الحدود المشتركة ومواجهة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود، في مؤشر على أن التعاون الأمني بين الطرفين يتطور بصورة تدريجية وليس نتيجة اجتماع واحد فقط.
لماذا تزداد أهمية التعاون الآن؟
تكمن أهمية التحرك التركي ـ البلغاري في أن البلدين يقعان على جانبي أحد أهم الممرات بين تركيا والاتحاد الأوروبي. فتركيا تمثل بالنسبة إلى أوروبا دولة عبور رئيسية في ملفات الهجرة والتجارة وحركة الأشخاص، بينما أصبحت بلغاريا بعد اكتمال انضمامها إلى شنغن جزءاً أكثر حساسية من منظومة الحدود الأوروبية.
ولهذا فإن أي تغير في أنماط الهجرة أو نشاط شبكات التهريب على الحدود التركية يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي المقابل، تستفيد تركيا من التعاون مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق الأمني، خصوصاً أن الجريمة المنظمة لا تتوقف عند الحدود السياسية، وأن شبكات تهريب البشر والمخدرات تعمل عادة عبر مراحل تمتد من بلد إلى آخر.
من «حاجز حدودي» إلى شبكة أمن إقليمية
التطور الأبرز في المشهد الحالي هو أن مفهوم التعاون الحدودي بين تركيا وبلغاريا يبدو متجهاً نحو نموذج أكثر شمولاً. فبدلاً من التعامل مع الحدود باعتبارها نقطة لمنع العبور غير القانوني فقط، يجري التعامل معها باعتبارها جزءاً من شبكة أمنية تشمل الشرطة والجمارك ومؤسسات التدريب وتبادل المعلومات وتعقب الأموال.
ويكتسب هذا المسار أهمية أكبر مع انتقال التركيز الأوروبي والتركي إلى ما يسمى بالجريمة المنظمة العابرة للحدود، حيث تتداخل أنشطة تهريب المهاجرين مع الاتجار بالبشر وتهريب المخدرات وغسل الأموال والفساد.
ومن الناحية العملية، فإن نجاح هذا التعاون لن يُقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يتم توقيفهم على الحدود، وإنما بمدى قدرة الأجهزة الأمنية على تفكيك الشبكات التي تقف وراء عمليات التهريب، وتجفيف مصادر تمويلها، وملاحقة أصولها في الدول المختلفة.
اختبار حقيقي للتعاون التركي ـ الأوروبي
ورغم أن أنقرة وصوفيا أعلنتا عن مستوى مرتفع من التنسيق، فإن التحدي الأساسي يبقى في تحويل الاتفاقات ومذكرات التفاهم إلى نتائج ملموسة على الأرض.
فالحديث عن انخفاض الهجرة غير النظامية بنسبة كبيرة يحتاج إلى بيانات زمنية واضحة ومقارنات قابلة للتحقق، كما أن تغيير طرق الهجرة قد يعني ببساطة انتقال الضغط إلى مناطق أخرى. وفي المقابل، فإن توسيع التعاون ليشمل الجريمة المنظمة وتعقب الأصول المالية يمكن أن يمثل مؤشراً أكثر عمقاً على تطور العلاقة الأمنية بين البلدين.
ويأتي ذلك في وقت أكدت فيه بلغاريا أيضاً، خلال تحركاتها الأخيرة مع شركائها الإقليميين والدوليين، أن مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة تتطلب تبادل المعلومات والتنسيق والعمل المشترك بين الدول، وهي رؤية تنسجم مع الاتجاه الجديد في التعاون الأمني بين صوفيا وأنقرة.

