تشهد الساحة السياسية التركية تحولاً جذرياً غير مسبوق، حيث كشف أحدث استطلاع للرأي عن صعود مدوٍ لـ”الحزب الجديد” المنفصل حديثاً عن المعارضة التقليدية المتمثلة في حزب الشعب الجمهوري، ليتصدر المشهد السياسي متفوقاً على الحزب الحاكم بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان بتركيبة برلمانية وشعبية تقلب موازين القوى في البلاد.
زلزال في استطلاعات الرأي: الحزب الجديد يزيح العدالة والتنمية
أظهرت نتائج دراسة ميدانية أجراها مركز “أنك-أر” (Ank-Ar) للأبحاث والاستشارات خلال شهر يوليو، تصدر حزب “الجديد” الذي يتزعمه أوزغور أوزيل بنسبة تأييد بلغت 34.8%، متقدماً بفارق يتجاوز خمس نقاط مئوية عن حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي حل ثانياً بنسبة 29.4%. وتعكس هذه الأرقام، التي شملت توزيع أصوات الناخبين المترددين، حالة من إعادة التموضع الشعبي تجاه القيادات السياسية الصاعدة التي استطاعت جذب كتلة تصويتية وازنة في وقت قياسي.
تفكك الخارطة السياسية التقليدية وتوزع القوى
بعيداً عن ثنائية الصدارة، كشفت البيانات الإحصائية عن مشهد سياسي متشرذم، حيث فشلت أغلب الأحزاب التاريخية والناشئة في الوصول إلى عتبة الحسم الانتخابي البالغة 7%، باستثناء حزب “المساواة وديمقراطية الشعوب” المؤيد للأكراد الذي حل ثالثاً بنسبة 7.6%. وفي المقابل، سجلت القوى السياسية الأخرى تراجعاً ملحوظاً وفق الترتيب الآتي:
- نال حزب الحركة القومية، الحليف اليميني لأردوغان، نسبة 6.9%.
- حصل الحزب “الجيد” على 4.5% من أصوات المستطلعة آراؤهم.
- تراجع حزب الشعب الجمهوري، أعرق الأحزاب التركية، إلى مستوى قياسي بلغ 4% فقط.
- توزعت بقية الأصوات بين حزب “النصر” اليميني المعادي للمهاجرين بنسبة 3.7%، وحزب “المفتاح” (A Parti) بنسبة 3.2%، وحزب “الرفاه الجديد” الإسلامي بنسبة 2.3%.
الجذور القضائية والسياسية لولادة حزب أوزيل
لم يكن تأسيس الحزب الجديد في الرابع والعشرين من يوليو الماضي مجرد خطوة سياسية اختيارية، بل جاء نتاج صراع قضائي محتدم داخل أروقة حزب الشعب الجمهوري. فبعد أن تمكن أوزغور أوزيل من هزيمة كمال كليتشدار أوغلو في مؤتمر الحزب عام 2023 وقاد الحزب لتحقيق انتصارات تاريخية في الانتخابات المحلية لعام 2024 (بما في ذلك الاحتفاظ بإسطنبول وأنقرة)، تدخل القضاء التركي بقرار مفاجئ.
أصدرت محكمة في أنقرة حكماً في 21 مايو الماضي يقضي بإلغاء نتائج مؤتمر حزب الشعب الجمهوري لعام 2023، مستندة إلى مزاعم بشراء الأصوات، مما أدى قانونياً إلى عزل أوزيل وإعادة كليتشدار أوغلو لرئاسة الحزب [7، 9]. وأمام بطء الإجراءات القضائية في محكمة الاستئناف العليا وتزامنها مع العطلة القضائية الصيفية، اختار أوزيل الانشقاق وتأسيس كيان سياسي جديد بدلاً من انتظار مسار قانوني غير مضمون النتائج.
الانعكاسات على البنية البرلمانية
أحدث هذا الانشقاق هزة عنيفة في توزيع المقاعد داخل البرلمان التركي المكون من 600 مقعد، حيث نجح أوزيل في استقطاب 90 برلمانياً من حزب الشعب الجمهوري لينضموا إليه في تأسيس الحزب الجديد، ليرتفع تمثيل الحزب في البرلمان إلى 91 مقعداً فور تأسيسه. أدى هذا النزوح الجماعي إلى انكماش كتلة حزب الشعب الجمهوري التاريخية من 135 مقعداً إلى 44 مقعداً فقط وأصبح الحزب الجديد يمثل ثاني أكبر كتل المعارضة خلف حزب العدالة والتنمية الذي يمتلك 277 مقعداً.
دلالات
يشير الصعود الخاطف لأوزيل إلى أن الناخب التركي يبحث عن “بديل ثالث” يجمع بين إرث المعارضة العلماني والقدرة الإدارية التي أثبتها أوزيل خلال الانتخابات المحلية الأخيرة. ويبدو أن التدخل القضائي في شؤون حزب الشعب الجمهوري قد أتى بنتائج عكسية على الحزب الحاكم، إذ بدلاً من تفتيت المعارضة، ساهم في خلق قطب سياسي جديد يتصدر حالياً نوايا التصويت. تعتمد منهجية هذا الاستطلاع على مقابلات مباشرة مع 2,004 أشخاص في 28 مقاطعة تركية، مما يمنحه مؤشراً قوياً على حالة السخط أو الرغبة في التغيير لدى شريحة واسعة من المجتمع التركي في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة.

