تستوعب الأزمة المالية الناجمة عن تعثر الصناديق الاستثمارية في تركيا شريحة واسعة تصل إلى 455,758 مستثمراً توزعت أموالهم على 131 صندوقاً استثمارياً تُدار عبر سبع شركات لإدارة الأصول.
وتعود جذور هذا التعثر إلى تركز استثمارات الصناديق في أسهم محدودة السيولة وشحيحة المشترين، مما أدى إلى عجز تشغيلي عن تلبية طلبات الاسترداد المتزايدة مع هبوط الأسعار، ودفع هيئة تنظيم أسواق المال التركية لإصدار قرار بتصفيتها في 17 أيلول/سبتمبر. وتُقدَّر القيمة الإجمالية لأصول هذه الصناديق لحظة صدور قرار التصفية بما يقارب 18.3 مليار دولار أمريكي.
حراك المعارضة ومطالب التغيير السياسي
وعلى الصعيد السياسي، استغل أوزغور أوزيل، زعيم المعارضة الرئيسية للحزب الجديد في تركيا، التجمع الصحفي في البرلمان بأنقرة بالتزامن مع افتتاح العام التشريعي للضغط على الرئيس رجب طيب أردوغان ومطالبته بالاستقالة الفورية أو الدعوة لانتخابات مبكرة.
واعتبر أوزيل أن الاحتيال المفترض وقع إما تحت رعاية واضحة من أردوغان، أو أنه يعكس فقداناً شاملاً للقدرة الإدارية والرقابية اللازمة لمنع الجريمة المالية إذا كان غير عالم بها، مؤكداً أن الخيار الأول يتطلب التنحي المباشر، بينما يستوجب الثاني الاحتكام السريع للصناديق الانتخابية لنقل السلطة إلى قيادة مؤهلة.
كما ربط زعيم المعارضة بين المخطط المالي وشخصيات بارزة تولت مناصب حكومية سابقة ولها صلات بمجموعة “تيرا” المالية، ومنهم السفير السابق كرم ألكين وأركان كيليمتشي النائب السابق لحاكم البنك المركزي التركي.
المحاسبة وحماية أموال المكلفين بالضرائب
وفي سياق الرؤية السياسية لمعالجة التداعيات، رفضت المعارضة تحميل عامة المكلفين بالضرائب أي أعباء مالية لتعويض الضحايا، مشددة على ضرورة استرداد حقوق المستثمرين حصرياً من أموال المتورطين ومصادرة أصولهم المهربة للخارج.
وتعهد أوزيل في حال وصول حزبه إلى السلطة بفتح تحقيقات برلمانية موسعة تطال الوزراء والمسؤولين في حزب العدالة والتنمية الحاكم المتورطين في القضية تمهيداً لإحالتهم إلى المحاكمة القضائية.
الموقف الحكومي وخطط التهدئة الاستثمارية
في المقابل، حرص الرئيس أردوغان خلال كلمته أمام البرلمان على إرساء حالة من التهدئة وطمأنة الأسواق، معلناً أن حكومته تتجه بنشاط لمعالجة الاختلالات التي أصابت جانباً من سوق الصناديق لتفادي أي تهديد للاستقرار الاقتصادي أو السلم الاجتماعي.
وأكد أردوغان التزام الدولة التام بقواعد أسواق رأس المال، مع التعهد بحماية حقوق المستثمرين وإدارة الأزمة بصرامة لمنع أي طرف من الاستحواذ على أموال لا يحق له امتلاكها.
الإجراءات التنظيمية وآليات تسوية المستحقات
تنفيذياً، أقرت هيئة تنظيم أسواق المال خطة دفعات مرحلية تصل إلى مليون ليرة تركية (نحو 20 ألف دولار) لكل مستثمر عن كل صندوق يتبع لشركات “تيرا”، و”بوسولا”، و”أتلاس”، و”هيديف” لإدارة المحافظ. ويسمح هذا الإطار التنظيمي للمستثمرين الموزعين على عدة صناديق بتجاوز سقف المليون ليرة إجمالاً، حيث يُصرف الصافي المثبت للمستثمر إذا كان دون السقف أو يُسدد السقف كحد أقصى للدفعة المبدئية.
ويتولى مركز إيداع الأوراق المالية في تركيا احتساب الصافي المالي للمستثمرين، على أن يبدأ السداد عبر صناديق سوق النقد مع خصم الدفعات المرحلية من التسويات النهائية دون تحديد جدول زمني مؤكد لاسترداد كامل الأموال.
مسارات التصفية وحسابات الإعادة الطوعية
أمّا بالنسبة للصناديق التابعة لشركات “إيه 1 كابيتال”، و”بولز”، و”باردوس”، فقد وجهت الهيئة ببدء تصفيتها بالتدريج انطلاقاً من صناديق سوق النقد وبحسب ترتيب كثافة المستثمرين من الأعلى إلى الأدنى.
وتزامناً مع ذلك، أطلقت الهيئة حسابات طوعية لإعادة الأرباح لمن يرغب في رد المكاسب المفرطة المتحصلة من تداولات الأسهم أو مبيعات الصناديق السابقة للتصفية، على أن تُخصص الأموال المردودة لتعويض المستثمرين المتضررين، دون أن تمنح هذه الخطوة المشاركين فيها أي إعفاء أو حصانة من الملاحقة الجنائية.

