دخلت أزمة صناديق الاستثمار في تركيا مرحلة جديدة مع اتساع التحقيقات القضائية وتزايد الأسئلة حول إدارة الأسواق المالية والروابط السياسية لبعض الشخصيات المرتبطة بالشركات والصناديق محل التحقيق.
وفي أحدث تحرك سياسي، شنّ رئيس الحزب «الجديد» أوزغور أوزيل هجوماً واسعاً على الحكومة خلال اجتماع لنواب حزبه، معتبراً أن الأزمة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلة فنية محدودة داخل سوق المال، بل ينبغي التحقيق في شبكة العلاقات التي أحاطت ببعض الصناديق وشركات إدارة المحافظ.
وتكتسب القضية أهمية خاصة بسبب حجم قاعدة المستثمرين المتضررين. فقد أكدت هيئة أسواق المال التركية أن عدد المستثمرين الأفراد في الصناديق الـ131 التي تقررت تصفيتها بلغ 455 ألفاً و758 مستثمرا.
وكانت الهيئة قد قررت تصفية هذه الصناديق التابعة لسبع شركات لإدارة المحافظ، في أعقاب الأزمة التي تفجرت في أسواق الأسهم والصناديق خلال سبتمبر.
من أزمة سيولة إلى تحقيق واسع
تشير التطورات الأخيرة إلى أن القضية لم تعد مقتصرة على مسألة قدرة الصناديق على تلبية طلبات الاسترداد. فالتحقيقات تتناول أيضاً ادعاءات تتعلق بالتلاعب في الأسواق والاحتيال وغسل الأموال، فيما توسعت الإجراءات القضائية لتشمل عدداً متزايداً من المشتبه بهم.
وبحسب أحدث التقارير المنشورة في الثلاثين من سبتمبر، وصل عدد الأشخاص الذين اتُّخذت بحقهم إجراءات في التحقيق إلى 217 مشتبهاً به، بينهم 56 موقوفاً احتياطياً، بينما خضع 88 شخصاً لإجراءات الرقابة القضائية.
كما اتسعت دائرة التحقيق لتشمل عمليات في أسهم ارتبطت بالصناديق محل التدقيق، في وقت تواصل فيه السلطات مراجعة مسار الأموال والمعاملات التي سبقت انفجار الأزمة.
وفي المقابل، أُلغيت في أواخر سبتمبر قرارات تجميد أصول تخص 46 شركة كانت مشمولة بالتحقيق، بعد تقييمات جديدة من هيئة أسواق المال، في مؤشر على أن الملف يخضع لمراجعة مستمرة وأن الإجراءات لا تسير كلها في اتجاه واحد.
أوزيل يربط الأزمة بشبكة من الأسماء السياسية
ركز أوزغور أوزيل في خطابه على ما وصفه بالروابط بين بعض مسؤولي شركات إدارة المحافظ والصناديق وبين حزب العدالة والتنمية والرئاسة ومؤسسات الدولة.
وذكر أسماء متعددة، من بينها إمري ألكين، عضو مجلس إدارة «تيرا» والموقوف في إطار القضية، والذي سبق أن كان عضواً في المجلس الاستشاري الأكاديمي للرئاسة؛ وكريم ألكين، عضو مجلس الإدارة المستقل في «تيرا»، الذي عُيّن سابقاً سفيراً دائماً لتركيا لدى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، كما شغل مواقع في صندوق الثروة التركي ومجلس إدارة بنك «خلق».
كما أشار إلى إمري تزمن، رئيس مجلس إدارة «تيرا ياتريم»، وإركان كيليمتشي، نائب رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للشركة والرئيس السابق لنائب محافظ البنك المركزي التركي، إضافة إلى فكير ألبتكين، وعبد القادر أوزكان، وإردين أوزيل، وسردار توران، ومحمد ياريز، وأوزدمير أتاسيفن وإسكندر بالجي.
وتتضمن القائمة، وفق عرض أوزيل، أشخاصاً سبق أن شغلوا مواقع حزبية أو حكومية أو استشارية، بينما ترتبط بعض الأسماء بعلاقات عائلية مع مسؤولين حكوميين.
وقد وصفت المعارضة هذه التشابكات بأنها سبب إضافي لتوسيع التحقيق، خصوصاً فيما يتعلق بتدفقات الأموال والحسابات الخارجية والعمليات التي سبقت انهيار عدد من الصناديق.
قضية فاطمة بتول سايان كايا في قلب الجدل
أكثر الأسماء السياسية إثارة للجدل في القضية هي فاطمة بتول سايان كايا، الوزيرة السابقة ونائبة رئيس حزب العدالة والتنمية، وزوجها إلياس كايا.
وبحسب الأرقام التي عرضها أوزيل، استثمر الزوجان نحو 163 مليون ليرة في أسهم شركة «أوزاتا دنيزجيليك»، ثم سحبا بعد عدة أشهر ما بين 2.17 و2.2 مليار ليرة. واستخدم أوزيل أسعار العقارات لتوضيح حجم الفارق، قائلاً إن المبلغ المستثمر كان يكفي لشراء نحو 27 شقة، بينما المبلغ المسحوب بعد أشهر كان يعادل قيمة نحو 367 شقة.
وقد استقالت كايا من موقعها الحزبي في ظل الجدل والتحقيقات المتعلقة بتداولات أسهمها.
رقم التسعين مليار دولار: تقدير سياسي لا نتيجة محاسبية نهائية
طرح أوزيل تقديراً ضخماً للخسائر، قائلاً إن خسارة سوق الأسهم بلغت 3.5 تريليون ليرة، بينما بقي نحو 800 مليار ليرة في الصناديق التي دخلت مسار التصفية، واعتبر أن التكلفة الاقتصادية الإجمالية للأزمة تصل إلى نحو 90 مليار دولار.
يرى مراقبون أن حجم الأزمة في السوق كبير بما يكفي لجعلها قضية تتجاوز عشرات الشركات أو آلاف المستثمرين. فقد أشارت رويترز إلى أن الصناديق الـ131 التي دخلت التصفية كانت تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 18 مليار دولار، وأن الأزمة أضعفت ثقة المستثمرين وأدت إلى إجراءات رقابية وقضائية واسعة.
مقارنة بالزلزال ترفع سقف المواجهة السياسية
قارن أوزيل بين تقديره لخسائر الأزمة وبين تكلفة زلزال فبراير الذي ضرب 11 ولاية، مشيراً إلى الرقم الذي سبق أن أعلنه الرئيس رجب طيب أردوغان لتكلفة الكارثة والبالغ نحو 100 مليار دولار.
ومن هنا وصف أوزيل أزمة الصناديق بأنها ذات تأثير اقتصادي يقارب «تأثير الزلزال»، وربطها بمسألة أوسع تتعلق بقدرة الدولة على الرقابة ومنع إساءة استخدام النظام المالي.
الحكومة أمام اختبار الثقة والرقابة
في الجانب الآخر، أكد أردوغان أن النظام المالي التركي لا يواجه، بحسب موقفه المعلن، خطراً نظامياً، فيما أعلنت الحكومة اتخاذ إجراءات لحماية المستثمرين واستقرار الأسواق. كما عقد وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك اجتماعات لمعالجة عملية تصفية الصناديق البالغ عددها 131، مع مشاركة مؤسسات مالية في إدارة عملية التصفية.
وهنا تكمن المسألة الأهم: الأزمة لا تختبر قدرة الدولة على تصفية الصناديق فحسب، بل تختبر أيضاً مدى شفافية عملية التصفية، وسرعة إعادة أموال المستثمرين، وقدرة الجهات الرقابية على تحديد المسؤوليات، ومنع تكرار النموذج نفسه مستقبلاً.
المعارضة تنقل الملف إلى البرلمان
لم يكتفِ الحزب الجديد بالتصريحات السياسية، بل قدمت إلى البرلمان مقترحاً قانونياً من 15 مادة، أُعد وفق أوزيل بعد عمل استمر أربعة أيام بمشاركة 11 اقتصادياً، ووقعه النائب أوميت أوزلاله.
ويتضمن المسار الذي تدفع به المعارضة البحث في أصول الأشخاص الذين يُشتبه في استفادتهم من العمليات، وتتبع الأموال التي يُعتقد أنها خرجت إلى الخارج، والعمل على تحصيل خسائر المستثمرين من المسؤولين عنها.
وبذلك انتقلت أزمة الصناديق من ملف مالي وقضائي إلى اختبار مؤسسي أوسع. فالمسألة الأساسية لم تعد فقط: أين ذهبت الأموال؟ بل أيضاً: كيف نشأت هذه الشبكات، ومن كان يملك القدرة على الرقابة عليها، وهل كانت هناك إشارات مبكرة كان يمكن للجهات التنظيمية اكتشافها قبل وصول الأزمة إلى مئات الآلاف من المستثمرين؟
في النهاية، ستتحدد أهمية القضية ليس فقط بحجم الأموال التي يمكن استردادها، وإنما بقدرة المؤسسات التركية على كشف مسار الأموال، الفصل بين المسؤولية السياسية والجنائية، حماية حقوق المستثمرين، وإعادة بناء الثقة في سوق رأس المال.

