شهدت أروقة المجلس الوطني الكبير (البرلمان التركي)، خلال الاستقبال الرسمي المنعقد بمناسبة افتتاح العام التشريعي الجديد في قاعة المراسم، حضوراً لافتاً لرئيس مجلس النواب الأسبق بولنت أرينتش، حيث أدلى بتصريحات صحفية شملت ملفات مالية وسياسية وأخلاقية شائكة.
وأعرب أرينتش عن مشاعر الخجل والحزن والضيق جراء ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مؤكداً أن الشعب التركي لا يستحق هذه الظروف، وأن الواقع الحالي يتناقض مع التطلعات والمرتكزات التي بُنيت عليها التجربة السياسية.
البعد المالي وأرقام الفجوة في أزمة الصناديق
سلط أرينتش الضوء على فجوة مالية ضخمة في قضية “احتيال الصناديق”، مشيراً إلى أن التقديرات المتداولة في الأوساط العامة تتحدث عن خسائر إجمالية تصل إلى نحو 800 مليار ليرة تركية.
وأوضح أن الأموال المتوقع تحصيلها أو استردادها من مختلف المصادر لا تتجاوز 8 مليارات ليرة فقط، متسائلاً باستنكار عن الجهة التي ستتحمل سداد هذا الفارق الهائل وعن المسؤولين الحقيقيين عن هذا الهدر.
وشدد على ضرورة كشف النقاب عن كافة الأطراف المتورطة ومحاسبتهم وتشهيرهم علناً أمام الرأي العام.
التشخيص الأخلاقي والمجتمعي والمرجعية القيمية
تشير القراءة التي قدمها أرينتش إلى أن الأزمة لا تقتصر على الجانب المالي فحسب، بل تعكس تآكلاً أخلاقياً وانحلالاً مجتمعياً يتسرب إلى البنية السياسية والاجتماعية.
وأوضح أن تراجع القيم وضغوط الحياة أفرزا فئات فقدت الشعور بالخجل ولم تعد تتأثر بالوازع القانوني أو الديني.
وفي المقاربة الفكرية، بين أرينتش المبادئ التي ترتكز عليها الرؤية الإسلامية للحكم والمجتمع، وهي التزام مبدأ الشورى والاستشارة في اتخاذ القرارات، وتحقيق الشفافية المطلقة في إدارة الشؤون العامة، وترسيخ مبدأ المساءلة والتحقيق دون مواربة.
وأضاف أن القوانين والنظم تحكم سلوكيات المجتمعات (العلمانية)، في حين يشكل الإيمان بيوم الحساب رادعاً للمؤمنين؛ أما عند نسيان هذا الرادع فإن التجاوزات تصبح واردة من أي طرف.
وحذر أرينتش من أن صدور المخالفات من أفراد يرتدون زي الملتزمين دينياً أو يظهرون بمظهر إسلامي يلحق ضرراً بالغاً بالقيم والمبادئ الدينية، ويقدم القدوة السيئة للجيل الناشئ مما يضعف القناعات لدى الشباب.
استحضار السجل التاريخي والمقارنة الاقتصادية
ربط أرينتش بين الواقع الراهن والمحطات التاريخية التي سبقت وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. واستحضر الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عصفت بالبلاد عامي 2000 و2001 إبان عهد الحكومة الائتلافية الثلاثية التي جمعت حزب الشعب الجمهوري الديمقراطي (DSP) وحزب الوطن الأم (ANAP) وحزب الحركة القومية (MHP)، والتي دفعت حينها للاستعانة بـ كمال درويش لتولي الحقيبة الوزارية المعنية بالمعالجة الاقتصادية.
ولفت إلى أن حزب العدالة والتنمية تولى مقاليد الحكم منفصلاً على أنقاض ذلك الركام الاقتصادي، وعمل بجد برئاسة رئيس الوزراء آنذاك لتجاوز التداعيات وإعادة الاستقرار، معتبراً أن الانزلاق الحالي نحو أزمات من قبيل أزمة الصناديق يبعث على الأسف الشديد.
علاقة الرفقة السياسية ومساءلة الجهاز البيروقراطي
تطرق أرينتش إلى تاريخ مسيرته السياسية مع رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، موضحاً أنها رفقة نضال ومشاركة في القضايا والمبادئ تمتد منذ عام 1978. وأشار إلى وجود تباين بين المضامين التي يؤكد عليها أردوغان في الخطابات الرسمية أمام البرلمان وبين ما يمارس فعلياً في الميدان وعلى مستوى البيروقراطية والعمل السياسي.
وطالب بتنقية الممارسة الميدانية وإعادة بناء الأجهزة البيروقراطية والسياسية وفق القيم الأساسية، موصياً بضرورة المضي في التحقيقات القضائية الخاصة بالصناديق إلى نهايتها لكشف الحقائق كاملة ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء.
التبعات السياسية والمخاطر الانتخابية
أعرب أرينتش عن ثقته بالتعهدات التي أطلقها رئيس الجمهورية لمعالجة الأزمة وتطلعه لرؤيتها تجد طريقها للتنفيذ. وحذر من التبعات في حال تعثر هذه المساعي أو وصول التحقيقات إلى طريق مسدود يتمثل في الإخفاق في تحقيق نتائج ملموسة سيؤدي مباشرة إلى خسارة الاستحقاقات الانتخابية القادمة، والخطر الأشد يتمثل في تآكل ثقة الجماهير بالقيم والمبادئ الدينية وبالتيار السياسي ذاته.
وختم أرينتش بتأكيد أمله في ألا تصل الأمور إلى هذه النتيجة.

