تشهد الساحة السياسية والمالية سجالاً واسعاً عقب تحويل القيادية السابقة في حزب العدالة والتنمية، فاطمة بتول صايان كايا، وزوجها إلياس كايا مبلغا يناهز 2.2 مليار ليرة تركية إلى حساب وزارة الخزانة والمالية.
وتأتي هذه الخطوة بعد تكشف معطيات تشير إلى تحقيقهما مكاسب مالية ضخمة عبر صناديق استثمارية مرتبطة بالقصر الرئاسي، مما دفع صايان كايا إلى تقديم استقالتها من منصب نائب رئيس حزب العدالة والتنمية.
وتوضح البيانات المتاحة أن الزوجين قاما باستثمار نحو 163 مليون ليرة تركية في أسهم شركة “أوزاتا للملاحة” (Özata Denizcilik)، قبل أن يبيعا تلك الأسهم لاحقاً بمبلغ إجمالي وصل إلى زهاء 2.17 مليار ليرة تركية.
التكييف القانوني وفرضيات استرداد الأموال
تتزايد التكهنات بشأن إمكانية استعادة الزوجين للمبلغ المودع في الخزانة الوطنية لاحقاً، استناداً إلى غياب أي لائحة اتهام رسمية أو بلاغ جنائي بحقهما حتى الآن.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي ناظر كابوسوز أن إجراء إيداع الأموال في الخزانة يتسم بـ “عدم المشروعية الإجرائية”؛ إذ يشترط القانون وجود توصيف جريمة محددة ومسار قضائي موجِه لشرعنة مصادرة الأموال أو إيداعها المستدام لحساب الدولة.
ولفت كابوسوز إلى أن كلاً من هيئة سوق المال ورئاسة النيابة العامة في إسطنبول لم تفتتحا أي تحريات أو تحقيقات رسمية ضد كايا وزوجها، مما يعزز فرضية التزام الخزانة قانونياً بإعادة الأموال لعدم وجود إدانة أو جريمة مثبتة.
وأضاف أن هذه التحركات تنطوي على بعد سياسي يستهدف امتصاص غضب القواعد الحزبية وإيهام الجمهور بالعودة إلى “روح التأسيس والأخلاق السياسية”، ليصار لاحقاً إلى إعادة الأموال بهدوء عقب انحسار الاهتمام الإعلامي.
جدل “الندم الفعال” والمتطلبات التشريعية
شهدت أروقة البرلمان تبايناً قانونياً حاداً حول الطبيعة الفقهية لمبلغ الـ 2.2 مليار ليرة؛ حيث أشارت تقارير إلى محاولة كايا وزوجها الاستفادة من أحكام “الندم الفعال” لتسوية وضعهما.
غير أن نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الجديد، غوكهان غون أيدن، فند هذه الادعاءات موضحاً أن تطبيق بنود الندم الفعال يشترط صراحة إعادة سداد ضعف قيمة المنفعة المالية المحققة وليس أصل المبلغ فقط، مما يجعل المبلغ المودع غير مستوفٍ للشروط التشريعية المحددة.
ولا تزال المواقف الرسمية للجهات القضائية والحكومية مرقبة لحسم وجود طلب رسمي للندم الفعال من عدمه وبيان المآل النهائي للأموال.
السوابق التاريخية: المقاربة مع تحقيقات 17-25 ديسمبر
يعيد السجال الراهن إلى الأذهان وقائع تحقيقات الفساد والرشوة الشهيرة في 17-25 ديسمبر، والتي طالت رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان وابنه بلال أردوغان، إلى جانب أربعة وزراء هم معمر غولر، أغيمان باغيش، ظفر تشاغلايان، وأردوغان بايراكتار. وقد انتهت تلك القضايا حينها بعزل القضاة والمحققين واستبدالهم بقضاة موالين للسيطرة على الملفات وإغلاقها، ومن ثم إعادة جميع الأموال والمقتنيات المصادرة مع فوائدها القانونية.
وقد أفضت الأزمة آنذاك إلى استقالة الوزراء تشاغلايان وغولر وبايراكتار واستبعاد باغيش. ورغم محاولة إحالتهم إلى “المحكمة العليا”، رفض برلمان 2015 المقترح بأغلبية أصوات حزب العدالة والتنمية، في حين صدرت أحكام بسجن القضاة ورجال الشرطة الذين كشفوا قضايا الفساد.
هل يتم التستر على الفضيحة؟
وقال الصحفي والكاتب التركي ليفنت غولتكين إن إعادة مبلغ يتجاوز ملياري ليرة تركية من قبل وزيرة الأسرة السابقة فاظمة بتول صايان التي أثير اسمها في قضية الصناديق الاستثمارية تطرح تساؤلات قانونية وسياسية حول مسار التحقيق، ولا سيما بشأن سبب عدم فتح تحقيق رسمي معها حتى الآن.
وأوضح غولتكين، في حديث تناول فيه تطورات القضية على يوتيوت، أن المعلومات المتداولة تشير إلى إعادة مبلغ يقارب 2.2 مليار ليرة تركية، معتبرًا أن هذه الخطوة قد تكون مرتبطة بأحكام قانونية تسمح، في ظروف محددة، بتجنب بعض المسؤوليات الجنائية من خلال إعادة الأموال محل الشبهة، لكنه أشار إلى أن الاستفادة من هذه الآلية، بحسب قراءته، تتطلب إعادة مبلغ يعادل ضعفي المبلغ محل المخالفة، وليس أصل المبلغ فقط.
وتساءل غولتكين عن سبب عدم فتح تحقيق أو استدعاء المعنية للإدلاء بإفادتها، رغم تداول أرقام كبيرة وظهور معلومات مرتبطة بتحويلات مالية وحسابات مصرفية. وقال إن هذا الأمر يثير، من وجهة نظره، تساؤلات حول ما وصفه بازدواجية في تطبيق القانون، مشيرًا إلى أن شخصيات معارضة تواجه أحيانًا إجراءات قضائية وأمنية سريعة حتى في قضايا تستند إلى ادعاءات محدودة.
كما طرح الصحفي سؤالًا أوسع يتعلق بنحو 11 ألف شخص يُقال إنهم أجروا معاملات مالية كبيرة في إطار القضية، متسائلًا عن سبب عدم الكشف عن أسمائهم أو فتح تحقيقات بحقهم إذا كانت سجلات هيئة الأسواق المالية التركية ووحدة الاستخبارات المالية توفر معلومات حول حركة الأموال والعمليات المشبوهة.
وحذر غولتكين من أن تقتصر العملية على توقيف عدد محدود من مديري الصناديق ومصادرة ممتلكاتهم، معتبرًا أن السؤال الأساسي هو ما إذا كانت السلطات ستلاحق جميع المتورطين المحتملين، بصرف النظر عن أسمائهم أو مواقعهم.
وأضاف أن القضية ستظل موضع تساؤل ما لم تتضح كيفية التعامل مع بقية المستثمرين والأشخاص الذين يُشتبه في استفادتهم من عمليات التلاعب، مؤكدًا أن السؤال الحقيقي، وفق تعبيره، هو ما إذا كان التحقيق سيصل إلى جميع الأسماء أم سيقتصر على عدد محدود من الأشخاص.

