تتجه أزمة الصناديق الاستثمارية في تركيا إلى التحول من قضية مالية تتعلق بشبهات تلاعب واختلاس إلى ملف سياسي ورقابي أوسع، مع تصاعد المطالب بالكشف عن الجهات التي سمحت، أو يُعتقد أنها سمحت، باستمرار التجاوزات لفترة طويلة.
وفي أحدث المواقف السياسية، وصف رئيس حزب «الرفاه من جديد» فاتح أربكان ذي التوجه الإسلامي القضية بأنها «احتيال القرن»، مطالباً السلطات بالكشف عن جميع المتورطين ومحاسبة المسؤولين عن أوجه القصور الرقابية.
ويرى أربكان أن معالجة الملف من خلال توقيف عدد من الأشخاص أو التحقيق في معاملات مالية محددة لا تكفي لفهم حجم الأزمة، مؤكداً أن القضية، وفق قراءته، تستدعي البحث في البيئة الإدارية والمالية التي سمحت بتراكم هذه الثروات وتحرك الأموال على هذا النطاق.
أرقام ضخمة
استند أربكان في انتقاداته إلى مجموعة من الأرقام التي تعكس، بحسب تقديره، الحجم المحتمل للخسائر والتجاوزات المرتبطة بالملف. وقال إن الخسائر في بورصة إسطنبول تجاوزت ثلاثة تريليونات ليرة تركية (61,2 مليار دولار)، بينما تحدث عن اختلاس أو تفريغ أموال من الصناديق يصل إلى تريليون ليرة.
كما أشار إلى ادعاءات بشأن إخراج نحو 400 مليار ليرة تركية إلى الخارج من خلال قنوات وُصفت بأنها قانونية، وفي إطار معاملات مرتبطة بمستثمرين أجانب.
من المسؤول عن غياب الرقابة؟
الجانب الأكثر حساسية في تصريحات أربكان لا يتعلق بالأرقام وحدها، بل بالسؤال عن المسؤولية المؤسسية. فبحسب موقفه، لا يمكن أن تستمر عمليات مالية بهذا الحجم من دون وجود ثغرات في منظومة الرقابة، أو تقصير في أداء المؤسسات المعنية، أو تدخلات سمحت لبعض الأطراف بالتحرك بعيداً عن الرقابة الفعالة.
ويطرح حزب «الرفاه من جديد» سؤالاً أوسع: إذا كانت المخالفات قد وصلت إلى هذا الحجم، فلماذا لم تكتشف الأجهزة الرقابية هذه التجاوزات في وقت أبكر؟
ويشير هذا السؤال إلى دور المؤسسات المكلفة بمراقبة الأسواق والأنشطة المالية، وفي مقدمتها مجلس سوق رأس المال التركي، إضافة إلى هيئة التفتيش الحكومية. فالمسألة، وفق هذا الطرح، لا تتعلق فقط بملاحقة الأشخاص الذين يُشتبه في ارتكابهم مخالفات، وإنما أيضاً بتحديد ما إذا كانت آليات الرقابة القائمة قد أدت وظيفتها بصورة كافية.
انتقادات للتحرك الحكومي المتأخر
انتقد أربكان كذلك رد فعل السلطات بعد تصاعد القضية، معتبراً أن تفعيل أجهزة التفتيش والتحقيق بعد ظهور الأزمة لا يعالج السؤال الأساسي المتعلق بكيفية منع حدوثها في المقام الأول.
وفي هذا السياق، يصبح الفرق بين الرقابة الاستباقية والرقابة اللاحقة محوراً أساسياً في النقاش. فالرقابة المالية لا تقتصر على اكتشاف المخالفات بعد وقوعها، بل يفترض أن تتضمن آليات لرصد التحركات غير الطبيعية، ومتابعة تضارب المصالح، والتدقيق في التدفقات المالية، والتدخل قبل تحول المخالفات إلى خسائر واسعة.
ومن هنا، فإن فتح التحقيقات يمكن أن يمثل خطوة في تحديد المسؤوليات، لكنه لا يحسم بمفرده مسألة المسؤولية المؤسسية أو السياسية عن أوجه القصور التي سبقت الأزمة.
اتساع دائرة الجدل السياسي
تزامنت أزمة الصناديق مع تصاعد السجال السياسي في تركيا، خصوصاً مع تداول تقارير وادعاءات جديدة حول أسماء وشخصيات مرتبطة بالملف.
ونشرت منصة «بولد ميديا» تقارير تناولت اتساع نطاق التحقيقات والادعاءات، من بينها مزاعم بشأن أرباح غير مشروعة تصل إلى 2.3 مليار ليرة مرتبطة بأسماء معروفة في قضية الصناديق. كما تطرقت إلى تصريحات سياسية للمعارضة بشأن مبالغ تصل إلى 200 مليون يورو، وإلى تداعيات محتملة للقضية داخل الحزب الحاكم.
وفي ملف آخر، أشارت التقارير إلى توقيف شخص مرتبط بأحد نواب الوزراء، وهو ما أضاف بعداً سياسياً جديداً إلى القضية.
الأزمة تتجاوز الصناديق
تكشف القضية، في جوهرها، عن إشكالية أوسع تتعلق بالثقة في الأسواق والمؤسسات الرقابية. فكلما اتسع نطاق الشبهات المالية، أصبح السؤال لا يقتصر على من استفاد من العمليات محل التحقيق، بل يمتد إلى قدرة النظام الرقابي على حماية المستثمرين وضمان الشفافية والمساءلة.
ومن هذه الزاوية، تبدو المطالب السياسية بإجراء تحقيق شامل ذات صلة بثلاثة مستويات متداخلة: تحديد المسؤولية الجنائية للأفراد، وبيان أوجه القصور المؤسسي، والكشف عن أي مسؤولية سياسية محتملة إذا أثبتت التحقيقات وجود تدخل أو حماية من جهات نافذة.
ويصر أربكان على أن حزبه سيواصل متابعة القضية والمطالبة بمحاسبة جميع المتورطين، مؤكداً أن التعامل معها لا ينبغي أن يتوقف عند الأشخاص الذين ظهرت أسماؤهم في التحقيقات الأولية.

