بقلم: ياوز أجار
تدخل تركيا خريف عام 2026 في أجواء تتزامن فيها أزمات اقتصادية وسياسية وقانونية وأمنية آخذة في التعمق. وقد تبدو هذه التطورات، للوهلة الأولى، منفصلة عن بعضها بعضاً، إلا أنها تلتقي عند مستوى أوسع في إطار مشترك: فأردوغان يحاول، من دون التخلي بالكامل عن علاقاته الاستراتيجية مع روسيا والصين، إعادة الاقتراب من المحور الغربي وحلف شمال الأطلسي، فيما يعمل في الداخل أيضاً على إعادة ترتيب موازين القوى التي تشكلت خلال العقدين الماضيين.
ولهذا السبب، فإن إعادة فتح ملف الاغتيال المحتمل لكل من الزعيم السياسي القومي محسن يازجي أوغلو والاستخباراتي السابق كاشف كوزين أوغلو مجدداً لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها تحقيقات قضائية متأخرة. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة علنية كافية للقول بشكل قاطع إن هذه الملفات تستهدف تصفية البنى “الأوراسية”. لكن توقيت فتح الملفات، والأسماء التي ظهرت في التحقيقات، والبيئة الجيوسياسية التي تمر بها تركيا، تكشف عن صورة مهمة تشير إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة.
الابتعاد عن الغرب والاقتراب من أوراسيا
شهدت تركيا، خلال العقد الثاني من حكم أردوغان، انكساراً كبيراً في علاقاتها مع المؤسسات الغربية. وبينما حافظت أنقرة على عضويتها في حلف شمال الأطلسي، بدأت تتبع سياسة خارجية أكثر استقلالية ومتعددة المحاور. ومع تعمق العلاقات مع روسيا والصين، ازداد نفوذ الأوساط السياسية والأمنية التي توصف بأنها أوراسية في الداخل، في حين تراجع دور الأوساط الليبرالية والديمقراطية التي كانت مؤثرة خلال العقد الأول.
وكان شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 من أكثر التطورات رمزية في هذه المرحلة. فقد أدى اختيار منظومة S-400 إلى تعميق أزمة الثقة بين واشنطن وأنقرة، وأسفر عن إخراج تركيا من برنامج مقاتلات F-35 الأمريكية.
لكن هنا ظهرت المفارقة الأساسية في مسار السياسة الخارجية التركية: ففي الوقت الذي تحركت فيه تركيا نحو الشرق سياسياً وأمنياً، ظل اقتصادها مرتبطاً بالغرب.
وظل الاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي الأهم لتركيا بفارق واضح في تجارتها الخارجية. وفي عام 2025، بلغ حجم تجارة السلع بين تركيا والاتحاد الأوروبي نحو 218 مليار يورو. وارتفعت التجارة مع الصين إلى نحو 53 مليار دولار، مسجلة عجزاً تجارياً كبيراً بالنسبة إلى تركيا. أما روسيا، فقد احتلت موقعاً بالغ الأهمية، ولا سيما في مجال الطاقة.
وبالتالي، فإن المشكلة التي تواجه أنقرة ليست خياراً بسيطاً بين «الشرق أم الغرب؟». فتركيا طورت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية علاقات اعتماد ومصالح متبادلة مع الغرب وروسيا والصين في الوقت نفسه. وليس من الممكن تصفية هذه العلاقات بين ليلة وضحاها.
هل يعود أردوغان مجدداً إلى الغرب؟
منذ عقد 2020، ظهر تحول جديد في توجهات السياسة الخارجية التركية. فقد بدأ أردوغان في إصلاح العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر. كما أُرسلت رسائل أكثر إيجابية إلى المستثمرين الغربيين، واتُّخذت خطوات تهدف إلى تعزيز موقع تركيا داخل حلف شمال الأطلسي.
وكان قطاع الصناعات الدفاعية أحد أبرز المؤشرات الملموسة على هذا التحول. فبعد أزمة S-400، بدأت تركيا تبحث عن سبل للعودة إلى برنامج F-35، بينما اتجهت على الجانب الأوروبي إلى إبرام صفقة بمليارات الجنيهات الإسترلينية مع بريطانيا بشأن مقاتلات يورو فايتر تايفون.
وهذه ليست مجرد اتفاقيات في مجال الصناعات الدفاعية. بل إنها في الوقت نفسه رسائل سياسية بشأن البنية الأمنية التي تريد تركيا أن تكون جزءاً منها.
لكن مشكلة أنقرة تبدأ تحديداً من هنا. فأردوغان لا يستطيع أن يقول لموسكو «انتهى الأمر»، ولبكين «نحن نعيد تعريف علاقاتنا»، ثم يمحو السنوات الخمس عشرة الماضية. وبالمثل، لا يمكنه أن يلغي فجأة العلاقات التي أقامها مع الأوساط الأوراسية التي أصبحت مؤثرة في مستويات مختلفة من الدولة.
لأن تحولات المحور في السياسة الخارجية تؤدي أيضاً إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الداخل.
العلاقة بين أردوغان والأوراسيين: من التحالف إلى توتر جديد
ليس من الصحيح وصف العلاقة بين أردوغان والأوساط الأوراسية بأنها تحالف واضح ورسمي موثق بكل تفاصيله. لكن من الواضح أنه، ولا سيما بعد فضائح الفساد الكبرى في 17-25 ديسمبر/كانون الأول 2013، حدث تقارب واضح بين أردوغان وبعض الأوساط القومية والأمنية والأوراسية.
وكان إطلاق سراح الأسماء التي كانت بين المتهمين في قضايا إرغنيكون عام 2014 أحد التطورات المهمة في تلك المرحلة. كما أصبح دوغو برينجك والأوساط المحيطة به أكثر حضوراً في المناخ السياسي الجديد.
وتكمن النقطة الحاسمة هنا في أن ميزان القوى الجديد الذي تشكل خلال العقد الثاني من حكم أردوغان أدى إلى إحلال فاعلين آخرين محل البنية الأمنية السابقة. وربما كان لهذه العملية دور سياسي وظيفي بالنسبة إلى السلطة. لكن الآلية نفسها خلقت مع مرور الوقت مشكلة جديدة.
لأن تغيير السلطة السياسية لعلاقاتها مع الفاعلين الذين قدموا لها الدعم في مرحلة معينة يمكن أن يحول العلاقات التي أقيمت في الماضي إلى أوراق قوة تفاوضية في المستقبل.
وبعبارة أخرى: حليف الأمس قد يتحول إلى ورقة قوة في مفاوضات الغد.
لماذا يكتسب ملف كاشف كوزين أوغلو أهمية؟
لهذا السبب، يلفت إعادة فتح ملف كاشف كوزين أوغلو الانتباه. فقد توفي كوزين أوغلو عام 2011 في سجن سيليفري. ومع إعادة فتح التحقيق وتوسيعه في عام 2026، عاد إلى الواجهة حسن أتيلا أغور، أحد الأسماء البارزة في قضية أرغنيكون والمعروف بصلته بالمجموعة الأوراسية.
كما أن نشر صحيفة صباح المملوكة لعائلة أردوغان مشاهد أثارت الشبهات بشأن دور أغور في اغتيال كوزين أوغلو داخل السجن، إلى جانب ظهور تقرير استخباراتي يتضمن أسماء بعض الضباط الذين يُدعى ارتباطهم بروسيا والصين، زاد من الجدل حول البعد السياسي للملف.
ولم يتضح بعد ما الذي يعنيه ذلك من الناحية القانونية. لكن أهمية الملف من الناحية السياسية تكمن في مكان آخر.
إن إعادة فتح ملفات أمنية أُغلقت أو وُضعت على الرف قبل نحو 15 عاماً تشير إلى أن تركيا بدأت من جديد في مناقشة الصراعات داخل الدولة التي شهدها تاريخها القريب.
ولهذا السبب، فإن ملف كوزين أوغلو ليس مجرد تحقيق في جريمة قتل، بل هو أيضاً بوابة أرشيفية جديدة تُفتح على ماضي الدولة الأمنية في تركيا.
ملف محسن يازجي أوغلو: الباب الثاني
إن إعادة طرح ملف محسن يازجي أوغلو مجدداً تجعل الصورة أكثر تعقيداً.
ففي عام 2026، صدرت قرارات بتوقيف واعتقال عدد كبير من الأشخاص في إطار التحقيق. ووفقاً للبيانات الرسمية، يُقال إن التحقيق مرتبط بحركة كولن، إلا أن النقطة الأكثر إثارة للانتباه هي إعادة فتح ملفات قديمة تبدو منفصلة عن بعضها في الفترة نفسها، وعودة آثار الصراعات القديمة بين الأوراسيين / أرغنيكون وأجهزة الاستخبارات والبيروقراطية العسكرية ومراكز القوى المختلفة داخل الدولة إلى الظهور في الخلفية.
ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة ليس فقط التنافس السياسي الراهن في تركيا، بل أيضاً إرث الصراعات على النفوذ التي شهدتها الدولة خلال العقدين الماضيين.
هل الأوراسيون هم الهدف الحقيقي؟
يمكن قراءة هذه التحقيقات ليس فقط باعتبارها تصفية حسابات مع خصوم الماضي، بل أيضاً باعتبارها إعادة رسم لحدود النفوذ داخل الدولة اليوم.
والسؤال الأساسي هو: من سيشكل بنية الأمن والاستخبارات في تركيا؟
ولهذا السبب، تكتسب المكانة المستقبلية للأوساط القومية والأمنية والأوراسية التي اكتسبت نفوذاً داخل الدولة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية أهمية خاصة. وإذا دخلت تركيا في مسار تكامل أعمق من جديد مع حلف شمال الأطلسي والبنية الأمنية الغربية، فقد يظهر صراع جديد على النفوذ مع هذه الأوساط.
لكن ليس من الصحيح النظر إلى جميع الفاعلين الأوراسيين باعتبارهم امتدادات مباشرة لروسيا أو الصين. فالأوراسية في تركيا تيار فكري سياسي له جذوره التاريخية والقومية العلمانية الخاصة. وقد تتقاطع مع روسيا والصين في المصالح، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أنها خاضعة لسيطرة موسكو أو بكين. كما أنه ليس سراً أن لها علاقات مع بعض الأوساط في بريطانيا والولايات المتحدة.
ومن ثم، فإن الصراع الحالي لا ينبغي قراءته على أنه «تركيا ضد روسيا»، بل من خلال سؤال من سيحدد الاتجاه الاستراتيجي لتركيا نفسها.
الاقتصاد: أكثر نقاط أردوغان هشاشة
فوق كل الحسابات السياسية والجيوسياسية، توجد الحقائق الصعبة للاقتصاد.
إن اقتراب أردوغان من الغرب من جديد لا يرتبط بدوافع أيديولوجية بقدر ما يرتبط بضرورات اقتصادية. فتركيا بحاجة إلى رأس المال الأوروبي، والسوق الأوروبية، والتكنولوجيا الغربية، وثقة المستثمرين الأجانب.
ووفقاً للخطاب الرسمي، بدأت السياسة النقدية المتشددة التي طُبقت بعد عام 2023 في خفض التضخم. ووفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، تراجع التضخم من مستوى 49.4 في المئة في نهاية عام 2024 إلى 30.9 في المئة في نهاية عام 2025. ومع ذلك، لا يزال الاقتصاد يواجه تضخماً مرتفعاً، وأسعار فائدة مرتفعة، وحاجة إلى التمويل الخارجي، ومشكلات في ثقة المستثمرين.
ولهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى أزمة الصناديق الأخيرة باعتبارها مجرد حدث مالي. فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم الأموال، سواء بالمليارات من الليرات أو الدولارات، التي فُقدت، وإنما بـ مدى قدرة الدولة على الحفاظ على ثقة الأسواق والمجتمع بالمؤسسات الحكومية.
وفي مقابل ادعاء رئيس حزب الرفاه من جديد فاتح أربكان بوجود خسائر تتجاوز 60 مليار دولار، أفادت بيانات نقلتها رويترز بأن الأزمة أثرت على أصول تتراوح بين 18 و20 مليار دولار في أكثر من 100 صندوق، وعلى نحو نصف مليون مستثمر. لكن الأهم من الرقم هو النتيجة السياسية. فقد أدت الأزمة إلى نقاشات امتدت إلى دوائر قريبة من السلطة، وجعلت الحدود بين الأزمة الاقتصادية والأزمة السياسية أكثر ضبابية.
ثلاث أزمات تتشابك معاً
هناك في الواقع ثلاث أزمات متراكبة في تركيا اليوم:
أولاً، الأزمة الجيوسياسية: حاجة تركيا إلى إعادة تحديد موقعها بين الغرب وروسيا والصين.
ثانياً، أزمة الدولة: إعادة تنظيم مراكز القوى المختلفة التي تشكلت داخل الدولة خلال العقدين الماضيين.
ثالثاً، الأزمة الاقتصادية: التضخم المرتفع، والحاجة إلى التمويل، وثقة المستثمرين، ومشكلات شفافية الأسواق.
وهذه الأزمات الثلاث ليست مستقلة عن بعضها، بل يغذي بعضها بعضاً.
قد يؤدي الاقتراب من الغرب إلى تلبية الحاجة إلى الموارد الاقتصادية، لكنه قد يزيد الصراع مع بعض مراكز القوى في الداخل. وقد يؤدي الحفاظ على العلاقات مع روسيا والصين إلى توسيع هامش المناورة الاستراتيجية، لكنه قد يصعّب الاندماج الكامل في منظومة الأمن والتمويل الغربية. وقد يؤدي فتح الملفات القديمة إلى تعزيز السيطرة السياسية، لكنه قد يحفز أيضاً تحركات مضادة من جانب الفاعلين الذين تحركوا معاً في الماضي.
حلفاء سابقون وحسابات جديدة
عند النظر إلى العقدين الأخيرين في تركيا، يتضح أن التحالفات داخل الدولة لم تكن ثابتة في أي وقت. فقد واجه فاعلون تحركوا معاً في مرحلة معينة بعضهم بعضاً لاحقاً، وتحولت مجموعات كانت تُنظر إليها في مرحلة ما باعتبارها تهديداً إلى حلفاء في مرحلة أخرى، قبل أن تُعرّف من جديد باعتبارها تهديداً.
ولهذا السبب، قد يكون من المضلل قراءة قضية «الدولة العميقة» في تركيا من خلال منظمة ثابتة واحدة. والأدق هو تعريفها باعتبارها شبكة قوى تتكون من فاعلين متغيرين.
وقد أقامت أجهزة الأمن والجيش والاستخبارات والسياسيون ودوائر الأعمال ومجموعات أيديولوجية مختلفة تحالفات متباينة في فترات مختلفة داخل هذه الشبكة.
وما يحدث اليوم يشير أيضاً إلى أن هذه الشبكة يعاد تشكيلها من جديد.
السؤال الأساسي: من يسيطر على الملفات؟
ربما يكون السؤال الأهم هو: إذا كانت بعض المعلومات الواردة في الملفات التي تُفتح اليوم موجودة منذ سنوات داخل مؤسسات الدولة، فلماذا تُفتح الآن؟
وهذا السؤال حاسم لفهم الصراع الراهن. فعندما تبدأ الملفات القديمة في الاستخدام ضمن الصراع السياسي الحالي، تصبح الحدود بين المسار القضائي والصراع على النفوذ السياسي أكثر أهمية.
ومن ثم، قد لا يكون من الكافي تقييم ملفي كوزين أوغلو ويازجي أوغلو من خلال سؤال «من وراء اغتيالهما؟» فقط.
ويظهر سؤال آخر:
هل فتح هذه الملفات يمثل تصفية حساب تركيا مع ماضيها، أم أنه جزء من عملية إعادة بناء موازين القوى المستقبلية؟
لا تزال الإجابة عن ذلك غير محسومة. لكن عند النظر إلى توقيت فتح الملفات، والأسماء التي ظهرت في التحقيقات، والتحول في توجهات السياسة الخارجية التركية، فإن الاحتمال الثاني يستحق أيضاً دراسة جدية.
تركيا لا تغير محورها فقط
لا يمكن وصف الأزمة التي تمر بها تركيا اليوم ببساطة بأنها «عودة إلى الغرب».
والتعبير الأدق هو:
تحاول أنقرة إعادة الاندماج مع الغرب، من دون قطع علاقاتها التي أقامتها مع روسيا والصين بالكامل، وبناء توازن جديد.
ويمكن قراءة البحث عن F-35، واتفاقية يورو فايتر، والتعاون المتجدد في الصناعات الدفاعية مع أوروبا، والمقاربة الجديدة تجاه رأس المال الغربي، باعتبارها أجزاء من الإطار الاستراتيجي نفسه.
لكن لهذا التحول أيضاً كلفة داخلية. فلا يمكن التخلص فجأة من الاعتماد على روسيا في مجال الطاقة، والروابط التجارية المتنامية مع الصين، والأوساط الأوراسية التي اكتسبت نفوذاً داخل الدولة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.
وبالتالي، فإن القضية التي تواجه أنقرة ليست السياسة الخارجية وحدها، بل كيفية مواءمة التحالفات التي أقيمت في الماضي مع التوجه الاستراتيجي الجديد.
الخلاصة: معركة تركيا الحقيقية تدور حول الاتجاه
لا تكفي قراءة أزمة تركيا في عام 2026 باعتبارها مجرد صراع بين أردوغان وخصومه السياسيين. فالمعركة الحقيقية تجري على مستوى أعمق:
من سيحدد الاتجاه الاستراتيجي للعقد المقبل في تركيا؟
فموقع تركيا داخل حلف شمال الأطلسي، وعلاقاتها مع روسيا، وروابطها الاقتصادية مع الصين، وتكاملها مع أوروبا، واعتمادها على الطاقة، وصناعاتها الدفاعية، وموازين القوى داخل الدولة، كلها يعاد تعريفها في الوقت نفسه.
ولهذا السبب، فإن ملفات محسن يازجي أوغلو وكاشف كوزين أوغلو، ونقاشات أرغنيكون، والأوساط الأوراسية، وأزمة الصناديق، والمشكلات الاقتصادية، عندما تُتناول باعتبارها عناوين منفصلة عن بعضها، تجعل الصورة الكبرى غير مرئية.
وعند نقطة تقاطع كل هذه الملفات، يبرز سؤال أكبر:
هل تستطيع تركيا أو أردوغان إعادة بناء منظومة القوى متعددة الطبقات التي أنشأها خلال العقدين الماضيين، من دون أن تتعارض مع توجهها الجيوسياسي الجديد؟
لأن القضية لم تعد فقط من سيبقى في السلطة، بل أي نوع من تركيا سيبقى قائماً.
إن اقتراب أنقرة من الغرب لا يعني قطع علاقاتها مع موسكو وبكين بالكامل. وبالمثل، فإن استمرار العلاقات مع روسيا والصين لا يعني أن تركيا ستنفصل عن الغرب. وستتمثل الاستراتيجية الحقيقية لتركيا في خلق أكبر هامش ممكن للمناورة بين العالمين. وكما كان يقول الاستخباراتي التركي الراحل ماهر كايناك، فإن قوة تركيا ترتبط بشكل مباشر بمدى قدرتها على تحقيق هذا التوازن.
لكن الحفاظ على هذا الهامش لا يعتمد على السياسة الخارجية وحدها. فإذا لم تُستعد الثقة الاقتصادية، سترتفع تكلفة التحركات الخارجية. وإذا لم تتم السيطرة على صراعات النفوذ داخل الدولة، فقد تتحول الملفات القديمة إلى أزمات جديدة. وإذا لم تتم إدارة التحالفات التي أُقيمت في الماضي، فقد تتحول الأدوات التي تعزز السلطة اليوم إلى أدوات تواجه السلطة غداً.
ولهذا فإن القضية الأكبر أمام تركيا ليست اختيار محور، بل الحفاظ على قدرة الدولة والاقتصاد على التحمل أثناء التحرك بين المحاور.
إن الملفات التي تُفتح اليوم في أنقرة، والاضطرابات التي تشهدها الأسواق، والعلاقات الدفاعية التي يعاد بناؤها مع الغرب، قد تكون أجزاء مختلفة من القصة نفسها:
فتركيا لا تعيد تنظيم سياستها الخارجية فحسب، بل تعيد أيضاً ترتيب الإرث السياسي للعشرين عاماً الماضية. والثمن النهائي لهذا الترتيب الجديد لن يدفعه الفاعلون السياسيون وحدهم، بل سيدفعه الاقتصاد والمجتمع التركي أيضاً.

