تكشف أحدث تقييمات الهيئات الأوروبية والدولية عن فجوة مستمرة بين المعايير التي يفترض أن تحكم منظومة النزاهة والشفافية في تركيا وبين مستوى تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
ويبرز تقريرا لمجموعة الدول ضد الفساد «غريكو» (GRECO)، التابعة لمجلس أوروبا، بوصفهما أحدث مؤشرين على هذه الفجوة، إلى جانب نتائج مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.
ولا تتعلق المسألة بمجرد عدد من التوصيات القانونية غير المنفذة، بل تمتد إلى قضايا أكثر عمقًا، تشمل استقلال القضاء، وتضارب المصالح، والشفافية السياسية، وآليات الرقابة على أصحاب المناصب التنفيذية العليا وأجهزة إنفاذ القانون.
«غريكو»: فجوة واسعة في تنفيذ التوصيات
في أحدث تقييماتها المنشورة في سبتمبر 2026، قدمت «غريكو» صورة واضحة عن مستوى التقدم التركي في مسارين رئيسيين.
في الجولة الرابعة، التي تركز على منع الفساد وتعزيز النزاهة لدى البرلمانيين والقضاة والمدعين العامين، خلصت الهيئة إلى أن تركيا نفذت بالكامل 6 توصيات فقط من أصل 22، بينما نفذت 9 توصيات بصورة جزئية، وظلت 7 توصيات دون تنفيذ.
أما في الجولة الخامسة، التي تتناول كبار المسؤولين في الحكومة المركزية وأجهزة إنفاذ القانون، فالصورة أكثر تحديًا: من أصل 32 توصية، نُفذت 4 توصيات بالكامل، و7 جزئيًا، فيما بقيت 21 توصية دون تنفيذ.
وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من طول الفترة الزمنية التي استغرقها مسار المتابعة. فالجولة الرابعة تعود في أصلها إلى تقييم أُجري في عام 2014 ونُشر تقريرها عام 2016، ما يعني أن جزءًا من الإصلاحات المطلوبة ظل مطروحًا على جدول المتابعة لسنوات.
وبحسب مجلس أوروبا، ستظل تركيا خاضعة لإجراءات المتابعة، مع مطالبتها بتقديم تقرير جديد عن التقدم المحرز في 2027.
استقلال القضاء في قلب المشكلة
لا تقتصر توصيات «غريكو» على تحسين الإجراءات الإدارية، بل تمس البنية المؤسسية التي يفترض أن تضمن استقلال القضاء.
ومن أبرز النقاط التي أثارتها الهيئة مسألة مجلس القضاة والمدعين العامين، إذ سبق أن اعتبرت أن تركيبته لا تنسجم بصورة كافية مع المعايير الأوروبية المتعلقة باستقلال هيئات الحكم الذاتي القضائي.
وأشارت تقارير المتابعة إلى أن وزير العدل يرأس المجلس، بينما يشغل نائب وزير العدل عضويته، في حين لا يُنتخب أعضاؤه من القضاة والمدعين العامين أنفسهم وفق الآلية التي توصي بها المعايير الأوروبية.
كما طالبت «غريكو» بتعزيز دور السلطة القضائية في اختيار وتعيين القضاة والمدعين العامين، وبإرساء معايير أكثر وضوحًا وموضوعية في فحص النزاهة والأخلاقيات لدى المرشحين.
وهنا تتحول قضية مكافحة الفساد من مسألة قانونية ضيقة إلى قضية مرتبطة بتوازن السلطات. ففعالية مكافحة الفساد لا تعتمد فقط على وجود القوانين، وإنما كذلك على استقلال الجهات التي تحقق في المخالفات وتحاكم مرتكبيها وتراقب أصحاب النفوذ السياسي والإداري.
البرلمان والشفافية السياسية
في الجانب البرلماني، تركز توصيات «غريكو» على مجموعة من الملفات، من بينها تضارب المصالح، وإقرارات الذمة المالية، والشفافية في العملية التشريعية، ومدونة السلوك، والعلاقة مع جماعات الضغط.
وكان مجلس أوروبا قد أشار في تقييمات سابقة إلى استمرار الحاجة إلى تعزيز الشفافية في العملية التشريعية، ووضع قواعد أكثر صرامة للنزاهة البرلمانية. كما أثار مسائل تتعلق بالحصانة البرلمانية وتضارب المصالح والإفصاح عن الأصول والمصالح.
وتكشف هذه الملفات عن جانب آخر من معادلة الحكم الرشيد: فمكافحة الفساد لا تتوقف عند ملاحقة الرشى أو الجرائم المالية، وإنما تشمل أيضًا منع تضارب المصالح، وإخضاع أصحاب القرار لقواعد واضحة للإفصاح والمساءلة.
تركيا في المرآة الأوروبية
تكتسب الأرقام التركية دلالة أكبر عند وضعها في السياق الأوروبي نفسه. ففي الجولة الرابعة، أغلقت «غريكو» إجراءات المتابعة الخاصة بالدنمارك وأوكرانيا بعد إحراز تقدم كافٍ وفق تقييماتها، بينما لا تزال تركيا والمجر ضمن الدول المطالبة بمواصلة إجراءات المتابعة وتقديم تقارير جديدة في 2027.
ففي الدنمارك، نُفذت توصيتان بالكامل من أصل ست، وثلاث جزئيًا، بينما بقيت توصية واحدة دون تنفيذ. أما أوكرانيا، فنفذت 19 توصية بالكامل من أصل 31، بينما نُفذت التوصيات الـ12 الأخرى جزئيًا. وفي المجر، نُفذت 10 توصيات بالكامل من أصل 18، وأربع جزئيًا، فيما بقيت أربع دون تنفيذ.
ولا يعني هذا بالضرورة أن الدول الأخرى خالية من مشكلات الفساد أو أن أرقام «غريكو» تمثل ترتيبًا مباشرًا للدول، لكنها توضح اختلاف مستويات الاستجابة للتوصيات والإصلاحات المؤسسية المطلوبة.
مؤشر مدركات الفساد: انعكاس آخر
تأتي نتائج «غريكو» في وقت تواجه فيه تركيا تحديات مماثلة في مؤشرات دولية أخرى.
فبحسب مؤشر مدركات الفساد 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حصلت تركيا على 31 نقطة من أصل 100، واحتلت المرتبة 124 من أصل 182 دولة. وكانت قد حصلت في مؤشر 2024 على 33 نقطة واحتلت المرتبة 107، ما يعني انخفاضًا بمقدار نقطتين في الدرجة وانتقالًا إلى مرتبة أدنى في التصنيف.
ومؤشر مدركات الفساد لا يقيس عدد قضايا الفساد المثبتة قضائيًا، بل يعكس تصورات وخبرات خبراء ومؤسسات بشأن مستوى الفساد في القطاع العام. لذلك فإن انخفاض الدرجة ينبغي قراءته بوصفه مؤشرًا على البيئة المؤسسية والإدراكات المتعلقة بالنزاهة، وليس حكمًا قضائيًا على حجم الفساد الفعلي.
من مشكلة إجرائية إلى تحدٍ مؤسسي
تكمن أهمية هذه المعطيات في أنها لا تأتي من مصدر واحد أو في سياق واحد. فهناك من جهة توصيات «غريكو» المتعلقة باستقلال القضاء، والشفافية البرلمانية، وتضارب المصالح، والنزاهة في الجهاز التنفيذي وأجهزة إنفاذ القانون. ومن جهة أخرى، هناك مؤشر الشفافية الدولية الذي يرصد تراجعًا في تصور النزاهة داخل القطاع العام.
ويشير اجتماع هذه المؤشرات إلى أن التحدي التركي يتجاوز إصدار تشريعات جديدة. فالمسألة ترتبط بقدرة المؤسسات على العمل بصورة مستقلة، وبوجود آليات رقابة فعالة، وبمدى شفافية عملية صنع القرار، وبإمكانية مساءلة أصحاب المناصب العليا دون عوائق سياسية أو مؤسسية.
كما أن استمرار بعض توصيات «غريكو» دون تنفيذ لسنوات يجعل قضية الإصلاح المؤسسي أكثر إلحاحًا. فكلما طال أمد بقاء التوصيات دون معالجة كاملة، أصبحت المسألة مرتبطة ليس فقط بوجود القواعد، وإنما بقدرة النظام المؤسسي على تحويلها إلى ممارسة فعلية.
في هذا السياق، تبدو 2027 محطة مهمة بالنسبة إلى تركيا، إذ ستتيح تقارير المتابعة المقبلة قياس ما إذا كانت السلطات ستنتقل من الاستجابة الجزئية إلى إصلاحات أكثر شمولًا في مجالات النزاهة القضائية والتنفيذية والبرلمانية.
وفي النهاية، فإن جوهر القضية لا يتعلق فقط بمكافحة الفساد بمعناها التقليدي، بل بالسؤال الأوسع حول قدرة المؤسسات التركية على بناء منظومة مستدامة من الشفافية والمساءلة وتوازن السلطات. وتبقى كيفية التعامل مع توصيات «غريكو» خلال المرحلة المقبلة أحد المؤشرات المهمة على اتجاه هذا المسار.

