أعادت سلسلة جديدة من الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فتح ملف المحاكمات التي شهدتها تركيا بعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو/تموز 2016، بعدما قضت المحكمة بوقوع انتهاكات للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في 947 طلبًا جديدًا يتعلق بإدانات على خلفية الانتماء المزعوم إلى حركة الخدمة / حركة كولن.
وتكتسب الأحكام الثلاثة الصادرة في 29 سبتمبر/أيلول 2026 أهمية خاصة لأنها لا تتعامل مع واقعة فردية معزولة، بل تأتي ضمن مسار قضائي متراكم بدأ يتبلور بوضوح منذ الحكم التاريخي الصادر في قضية يُكسل يالتشينكايا ضد تركيا عام 2023. وتظهر الأحكام الجديدة أن الإشكال الذي حددته المحكمة الأوروبية في تلك القضية لا يزال يجد انعكاسات في عدد كبير من الملفات أمام القضاء التركي.
947 قضية جديدة أمام المحكمة الأوروبية
توزعت الأحكام الجديدة على ثلاث قضايا جماعية. فقد شملت قضية Ünal and Others v. Türkiye ما مجموعه 591 طلبًا، بينما تناولت قضية Parun and Others v. Türkiye 345 طلبًا، في حين شملت قضية Korkmaz and Others v. Türkiye 11 طلبًا. وبذلك يصل مجموع الطلبات التي تناولتها الأحكام الثلاثة إلى 947 طلبًا.
في قضية «أونال»، خلصت المحكمة إلى وجود انتهاك للحق في محاكمة عادلة المنصوص عليه في المادة السادسة، بعدما وجدت أن المتقدمين لم يتمكنوا من مواجهة أدلة الاتهام بصورة تتوافق مع متطلبات المحاكمة العادلة. أما في القضايا الأخرى، فقد ركزت المحكمة بصورة أساسية على المادة السابعة، التي تكرس مبدأ «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص».
وفي قضية «كوركماز» تحديدًا، أكدت المحكمة أن استخدام تطبيق «ByLock» لا يمكن، بمفرده، أن يُعامل بوصفه دليلًا قاطعًا يستوفي جميع عناصر جريمة العضوية في منظمة إرهابية. ومع ذلك، لم تستبعد المحكمة إمكانية إثبات الارتباط التنظيمي من خلال أدلة أخرى إذا أظهرت بصورة فردية ومقنعة طبيعة العلاقة التنظيمية واستمراريتها وشدتها وخضوع الشخص المفترض لهرم المنظمة.
وهذه النقطة أساسية لفهم موقف ستراسبورغ: المحكمة لا تقرر أن كل شخص استخدم «ByLock» بريء، ولا تمنع القضاء التركي من استخدام التطبيق كجزء من منظومة أدلة؛ لكنها ترفض تحويل مجرد الاستخدام إلى قرينة حاسمة تلقائية على المسؤولية الجنائية.
«ByLock» من دليل تقني إلى قضية قانونية
شكل تطبيق «ByLock» محورًا أساسيًا في عدد كبير من المحاكمات التركية التي أعقبت محاولة الانقلاب. وقد اعتبرت السلطات والمحاكم التركية أن التطبيق كان مخصصًا بصورة أساسية للتواصل بين أعضاء التنظيم، وأن إثبات استخدامه يمكن أن يشكل أساسًا للإدانة.
غير أن المحكمة الأوروبية اعتبرت في قضية يوكسل يالجينكايا أن اعتماد المحاكم الوطنية على هذه المقاربة بصورة نمطية أدى إلى مشكلات تتعلق بمبدأ الشرعية والحق في المحاكمة العادلة. وأصبحت القضية منذ ذلك الحين مرجعًا رئيسيًا لمئات وآلاف الطلبات اللاحقة.
وفي حكم «دميرهان والآخرين» الصادر في يوليو/تموز 2025، طبقت المحكمة هذه المبادئ على 239 طلبًا، مؤكدة أن التعامل القطعي مع استخدام «بايلوك» يمكن أن يؤدي إلى انتهاك المادة السابعة والحق في محاكمة عادلة. كما أشارت المحكمة آنذاك إلى أن آلاف الطلبات المشابهة كانت لا تزال أمامها.
وتوضح الأحكام الصادرة في سبتمبر 2026 أن هذا المسار لم يتوقف. ففي «كوركماز» مثلًا، أقرّت المحكمة بأن بعض الملفات تضمنت أدلة إضافية، مثل بيانات الاتصالات، والعضوية في نقابات أو جمعيات، وحسابات في بنك آسيا، ومنشورات أو أنشطة اجتماعية، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن مجرد إثبات استخدام «بايلوك» لا يكفي وحده لإثبات جميع عناصر الجريمة.
حكم «ياساك» وتأكيد المسؤولية الجنائية الفردية
تعزز هذا الاتجاه بحكم “ياساك “الصادر عن الهيئة الكبرى للمحكمة في 5 مايو/أيار 2026. فقد خلصت الهيئة الكبرى إلى وجود انتهاك لمبدأ «لا عقوبة بدون قانون»، كما وجدت انتهاكًا للحظر المتعلق بالمعاملة اللاإنسانية أو المهينة في ظروف القضية.
وتكمن أهمية «ياساك» في تأكيد الحاجة إلى تقييم المسؤولية الجنائية بصورة فردية، بدل افتراضها بصورة آلية انطلاقًا من نشاط أو علاقة أو وسيلة اتصال معينة. وهذا لا يمنع السلطات من ملاحقة الجرائم المرتبطة بمحاولة الانقلاب أو التنظيمات التي تعتبرها تهديدًا للأمن القومي، لكنه يضع حدودًا قانونية للطريقة التي يمكن بها تحويل الأدلة والأنشطة السابقة إلى أساس للإدانة الجنائية.
ومن هنا، فإن الصراع القانوني لا يدور فقط حول «بايلوك» باعتباره تطبيقًا، وإنما حول سؤال أوسع: ما الحد الفاصل بين القرائن التي يمكن أن تساعد في إثبات الانتماء لمنظمة إرهابية، وبين تحويل قرينة واحدة إلى مسؤولية جنائية تلقائية؟
خلفية سياسية وقضائية ممتدة
ترتبط هذه الملفات بسياق سياسي وأمني بالغ التعقيد بدأ قبل محاولة الانقلاب نفسها. ففي ديسمبر/كانون الأول 2013 شهدت تركيا تحقيقات فساد واسعة طالت شخصيات مرتبطة بالحكومة آنذاك، قبل أن تتدهور العلاقة بصورة حادة بين حكومة حزب العدالة والتنمية وحركة الخدمة.
وبعد محاولة الانقلاب في يوليو/تموز 2016، اتهمت السلطات التركية الحركة بالوقوف وراء المحاولة، واتخذت إجراءات أمنية وقضائية واسعة ضد من اعتبرتهم مرتبطين بها. وفي المقابل، نفت الحركة وملهمها فتح الله كولن هذه الاتهامات.
وتحولت تلك المرحلة إلى واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل الجهاز الإداري والقضائي في تاريخ الجمهورية التركية الحديث، مع آلاف التحقيقات والمحاكمات وعمليات الفصل من الوظائف العامة.
حجم الملاحقات ينعكس على ستراسبورغ
تكشف الأرقام التي أعلنها وزير العدل التركي أكن غورليك في يوليو/تموز 2026 عن اتساع نطاق هذه الملاحقات؛ إذ تحدث عن التحقيق مع أكثر من 720 ألف شخص على خلفية صلات مزعومة بالحركة، وصدور أحكام بحق أكثر من 127 ألف شخص. كما أُقيل نحو 130 ألف موظف مدني بموجب مراسيم الطوارئ، وفق الأرقام التي أوردتها مصادر تركية نقلًا عن الوزير. واستمرت العمليات الأمنية في 2026، حيث أُعلن عن احتجاز 2451 شخصًا خلال 1065 عملية في النصف الأول من العام.
وتؤكد بيانات المحكمة حجم الضغط المتراكم بصورة أوضح. ففي نهاية مايو/أيار 2026 كان هناك 23,050 طلبًا معلقًا ضد تركيا أمام المحكمة الأوروبية، من أصل 56,800 طلب قيد النظر، أي نحو 40.6% من إجمالي الملفات.
وبذلك أصبحت تركيا صاحبة أكبر حصة من القضايا المعلقة أمام ستراسبورغ، وهو ما يمنح الأحكام المتكررة في قضايا «بايلوك» أهمية تتجاوز الأطراف المباشرة في كل ملف.
بين الأمن القومي وسيادة القانون
تتمثل إحدى أكثر القضايا حساسية في هذا الملف في التوفيق بين حق الدولة في حماية مؤسساتها ومجتمعها من محاولات الانقلاب والتنظيمات التي تعتبرها تهديدًا للأمن القومي، وبين التزامها في الوقت نفسه بالضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة والشرعية الجنائية.
ولا تنكر المحكمة الأوروبية حق السلطات التركية في التحقيق مع المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة أو الانتماء إلى تنظيمات مسلحة. لكن أحكامها تؤكد أن خطورة التهم لا تلغي ضرورة إثبات المسؤولية الفردية وفق قواعد واضحة، وأن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تؤدي إلى إلغاء الضمانات التي تحمي الأفراد من الإدانة الآلية.
وفي المقابل، ترفض السلطات التركية الانتقادات الأوروبية المتعلقة بهذه الملفات، وتؤكد أن الإجراءات التي اتخذتها جاءت في سياق مواجهة تنظيم تعتبره شبكة سرية متغلغلة في مؤسسات الدولة ومسؤولة عن محاولة الانقلاب.
اختبار جديد لتنفيذ الأحكام
تكمن أهمية التطورات الأخيرة في أن القضية لم تعد محصورة في إصدار أحكام فردية من ستراسبورغ. فالأحكام النهائية للمحكمة الأوروبية ملزمة للدول الأطراف في الاتفاقية، ويخضع تنفيذها لإشراف لجنة الوزراء في مجلس أوروبا.
ومن ثم، فإن التحدي المقبل بالنسبة إلى تركيا يتمثل في كيفية ترجمة المبادئ التي أرستها المحكمة إلى ممارسات قضائية داخلية، ولا سيما في الملفات التي تتشابه وقائعها مع «يالتشينكايا» و«دميرهان» و«ياساك» والأحكام الجديدة الصادرة في سبتمبر 2026.
وتشير سلسلة الأحكام إلى أن المحكمة الأوروبية تتعامل مع المسألة بوصفها قضية تتعلق بمبادئ عامة في القانون الجنائي والمحاكمة العادلة، لا بمجرد نزاع حول تطبيق إلكتروني بعينه. وفي المقابل، فإن استمرار تدفق الطلبات إلى ستراسبورغ يعكس حجم الفجوة بين الأحكام الأوروبية والممارسة القضائية التي تنظر المحكمة في آثارها.

