وجه رئيس بلدية إسطنبول المعزول والمحبوس، أكرم إمام أوغلو — المنافس السياسي الأبرز للرئيس التركي رجب طيب أردوغان — اتهامات ثقيلة للحكومة في إطار الجلسة الثالثة لمكافحته قضية يتهم فيها مع ثلاثة آخرين بتسريب بيانات البلدية لصالح أجهزة استخبارات أجنبية.
وينفي إمام أوغلو هذه التهم جملة وتفصيلاً، في وقت يواجه فيه عقوبة السجن لفترة تتراوح بين 15 و20 عاماً في حال إدانته. وخلال مثوله أمام المحكمة، تساءل إمام أوغلو عن الأسباب التي تمنع جهاز الاستخبارات الوطني التركي (MİT) من الرد على استفسارات المحكمة بشأن ما إذا كان يمتلك أي أدلة تثبت تورطه في أعمال تجسس.
ويقبع إمام أوغلو في السجن منذ مارس 2025 على خلفية قضية فساد منفصلة تتعلق ببلدية إسطنبول، وهي القضية التي أدت إلى إقالته من منصبه.
تسييس الرقابة وحماية المقربين
وجه إمام أوغلو انتقادات حادة للنهج الحكومي، موضحاً أن السلطات تركز جهودها على ملاحقة الخصوم السياسيين، بينما يتملص المسؤولون عن خسائر المستثمرين من المساءلة.
وأكد إمام أوغلو أمام المحكمة أن البلاد تشهد واقعاً يحمي فيه البعض المتورطين في الاستيلاء على صناديق الاستثمار، مشيراً إلى أن كبار البيروقراطيين والسياسيين وأقاربهم حققوا أرباحاً طائلة واستفادوا بشكل مباشر من الأزمة المالية التي ضربت الصناديق.
فضيحة صناديق الاستثمار والتداولات المشبوهة
أشار إمام أوغلو بشكل مباشر إلى حالة فاطمة بتول سايان كايا، وزيرة الأسرة السابقة التي تنحت عن مناصبها القيادية في حزب العدالة والتنمية الحاكم عقب اتهامات تطال تداولات مالية أجرتها هي وزوجها قبل اندلاع الاضطرابات في السوق.
وأوضح إمام أوغلو أن الزوجين جمعا خلال أربعة أشهر فقط أرباحاً تتجاوز ما حققه هو على مدار 35 عاماً من العمل التجاري.
وبحسب ادعاءات برلماني معارض، فإن كايا وزوجها إلياس كايا اشتريا أسهماً بقيمة إجمالية بلغت 163 مليون ليرة، ثم قاما ببيعها لاحقاً بنحو 2.17 مليار ليرة تركية (ما يعادل زهاء 44 مليون دولار)، وذلك قبيل تفاقم الأزمة واستفحالها في سوق الأسهم.
موقف هيئة الأسواق المالية وإعادة الأموال
استقالت كايا من مهامها الحزبية لإتاحة المجال للتحقيق في الادعاءات دون أن تتطرق إلى أرقام التداول المعلنة، كما لم يدرج اسمها أو اسم زوجها ضمن الشكوى الرسمية التي تقدمت بها هيئة الأسواق المالية التركية (SPK) بشأن التلاعب بالأسهم.
وفي هذا السياق، أفاد موقع “إكونوميم” الإخباري نقلاً عن معلومات حصل عليها، بأن الزوجين حوّلا نحو 2.2 مليار ليرة (نحو 45 مليون دولار) إلى حساب حددته وزارة الخزانة والمالية، رغم أن هذا التحويل لم يتم تأكيده بشكل رسمي من قبل الزوجين أو الوزارة.
أبعاد الأزمة المالية وإجراءات الملاحقة القضائية والرقابية
اندلعت الأزمة المالية نتيجة استثمار الصناديق بكثافة في أسهم يصعب تداولها وبيعها، مما عطل قدرتها على تلبية طلبات الاسترداد وسحب الأموال المقدمة من المستثمرين. وبناءً على ذلك، أصدرت هيئة الأسواق المالية (SPK) قرارات بتصفية 131 صندوقاً استثمارياً بقيمة أصول معلنة تقدر بنحو 18 مليار دولار، مما أثر بشكل مباشر على 455,758 مستثمراً.
آليات التسوية والملاحقات القضائية
أوضحت هيئة الأسواق المالية في إشعارها الصادر بتاريخ 25 سبتمبر إمكانية طلب الاستفادة من أحكام العفو أو التسوية للأشخاص الواردة أسماؤهم في الشكوى، شريطة سداد ضعف الفوائد والأرباح المتحصلة من عمليات التلاعب المفترضة.
وعلى الصعيد القضائي، تتواصل التحقيقات بشبهات التلاعب بأسهم عدة شركات، من بينها شركة “أوزاتا”. وقد أمرت المحكمة بسجن 5 مشتبه بهم إضافيين احتياطياً، ليرتفع بذلك عدد المعتقلين على ذمة التحقيقات الشاملة إلى 56 شخصاً.
وتشمل هذه الاعتقالات مسؤولين تنفيذيين في شركة “أوزاتا”، إلى جانب إسكندر بالجي، العضو السابق في مجلس إدارة الشركة وصهر نائب وزير الخزانة والمالية، الذي سلم نفسه للسلطات المختصة.
الموقف الحكومي والتطمينات الرسمية
في مقابل اتهامات المعارضة، سعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تهدئة المخاوف الاقتصادية، مؤكداً أن الاضطرابات المالية محصورة في جزء معين من سوق صناديق الاستثمار ولا تشكل أي مخاطر على النظام المالي العام في البلاد.
كما تعهد أردوغان بمتابعة المتورطين وملاحقة المسؤولين عن هذه التجاوزات لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
تظهر المعطيات الواردة وجود تقاطع حاد بين مسارين رئيسيين في المشهد التركي الراهن: المسار السياسي المتمثل في المحاكمات القضائية المتتابعة لرموز المعارضة وعلى رأسهم أكرم إمام أوغلو، والمسار الاقتصادي المتصل بأزمة هيكلية في صناديق الاستثمار والبورصة.
ويعكس هذا التداخل حالة من الاستقطاب؛ حيث تسعى المعارضة إلى توظيف الثغرات المالية وشبهات التربح من داخل أجهزة الدولة لكشف ما تعبر عنه بـ “الازدواجية الرقابية”، في حين تتمسك الحكومة بالفصل بين المسارات، معتبرة أن المعالجات الاقتصادية والقضائية تجري وفق الأطر القانونية لحماية النظام المالي والمحاسبة.

