يرى المحلل السياسي التركي سعيد صفاء أن المشهد السياسي في تركيا يمر بمرحلة من الهندسة الدقيقة التي تستهدف تقويض قيادة المعارضة، وتحديداً أوزغور أوزيل، عبر مسارات تشريعية وقضائية واستخباراتية متداخلة، تهدف في نهايتها إلى إحكام قبضة السلطة على المستقبل السياسي للبلاد.
المناورات التشريعية والقانون الإطاري
في تحليل عبر موقع يوتيوب، يشير سعيد صفاء إلى أن الساحة السياسية تشهد نقاشاً حاداً حول ما يعرف بـ“القانون الإطاري“، والذي من المتوقع أن يمرر من البرلمان بأغلبية أصوات تحالف الجمهور (حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية). ويرى صفاء أن هذا القانون ليس مجرد إجراء تشريعي، بل هو الغطاء الذي ستتشكل بناءً عليه السياسات القادمة، حيث يمهد الطريق لسلسلة من الإجراءات التي تستهدف محاصرة رئيس “الحزب الجديد”، أوزغور أوزيل، ووضعه في مواجهة مباشرة مع القضاء.
الحصار القضائي.. فخ “الرشوة المتسلسلة“
يكشف المحلل سعيد صفاء عن وجود خطة قضائية محكمة يقودها المدعي العام في أنقرة، أيكوت جيليك، والذي يصفه صفاء بأنه “منسق العمليات السياسية” الموثوق من قبل الجناح المرتبط ببلال أردوغان. وتتمحور هذه الخطة حول ملف الرشوة المتسلسلة، إذ تم فتح قضية تتهم أوزغور أوزيل بتلقي أموال ورشاوى عبر حقائب زرقاء وضعت في سيارته من قبل رؤساء بلديات سابقين (مثل رئيسي بلديتي أنطاليا وأوشاك) خلال عملية الترشح، وذلك عبر وسيط هو “فيلي أغبابا
كما يوضح صفاء أن القصر يستعد لابتزاز أوزيل باعترافات انتزعت من رؤساء البلديات المحتجزين عبر أساليب ضغط وابتزاز، حيث رفض العديد من أعضاء القضاء في أنقرة تولي هذا الملف نظراً لصبغته السياسية الواضحة، إلى أن تطوع “أيكوت جيليك” لتنفيذه.
وينوه بأن الهدف النهائي من هذا الملف، الذي أرسل كـ “مذكرة عرض” إلى البرلمان، هو رفع الحصانة عن أوزيل تمهيداً لمحاكمته وسجنه أو فرض حظر سياسي عليه، مما يزيحه من المشهد الانتخابي القادم.
استراتيجية التفكيك ثلاثية الأبعاد للمعارضة
وفقاً لتحليلات سعيد صفاء، يعمل “القصر” (الرئاسة التركية) على تدمير “الحزب الجديد” عبر ثلاثة محاور متوازية:
- المحور المالي والقانوني
التحقيق في التبرعات التي تلقاها الحزب، والادعاء بوجود دعم مالي من شركات أجنبية، وهو ما قد يشكل أساساً قانونياً لإغلاق الحزب بتهمة تلقي تمويل خارجي غير مشروع.
- محور الجاسوسية الدولية
ربط قيادات الحزب، وتحديداً أكرم إمام أوغلو وأوزغور أوزيل، بملف “حسين غون” المتهم بالتواصل مع ثماني أجهزة استخبارات دولية، لتصوير المعارضة كأداة لمؤامرة دولية تستهدف الأمن القومي التركي.
- محور الوصم بالفساد
استغلال ملفات البلديات والقضايا الجنائية لترسيخ صورة الحزب كـ “بؤرة للجريمة والرشوة” في الأذهان، مما يسهل عملية إغلاقه أو إضعافه شعبياً.
صراع الأجنحة داخل السلطة وتأثيره على القضاء
يلفت سعيد صفاء الانتباه إلى وجود صراع خفي ومحتدم بين جناحي أنقرة وإسطنبول داخل النظام الحاكم. فبينما يسيطر جناح بلال أردوغان على مفاصل القضاء في أنقرة (ويمثله أيكوت جيليك)، يتواجد جناح برات ألبيرق وعمر جيليك في إسطنبول. ويرى صفاء أن تعيين جيليك مدعياً عاماً في أنقرة كان خطوة استراتيجية لتمكين جناح بلال أردوغان من إدارة العمليات السياسية الكبرى ضد المعارضة، بعيداً عن توازنات القوى الأخرى.
هندسة الرأي العام وحرب الاستطلاعات
يتحدث صفاء عن “ألعاب استطلاعات الرأي” التي يديرها القصر، حيث تخضع 80% من شركات الاستطلاع لسيطرة السلطة. وتهدف هذه الخطة إلى التلاعب بالأرقام لتقديم حزب الشعب الجمهوري تحت قيادة كمال كيليتشدار أوغلو وكأنه يحصل على 10% أصوات الناخبين في الانتخابات القادمة، وتمكينه -عبر حواسيب إلكترونية- من حصد أكبر قدر من أصوات الحزب الجديد تحت قيادة أوزغور أوزيل
- صناعة اليأس
دفع الناخبين للاعتقاد بأن فوز أردوغان في أي انتخابات قادمة (والتي لا يتوقع صفاء إجراءها مبكراً) هو أمر حتمي، مما يؤدي إلى تفتيت الكتلة التصويتية للمعارضة.
فخ التحالفات القومية والمسألة الكردية
يحلل سعيد صفاء محاولة السلطة دفع “الحزب الجديد” نحو تحالف ضيق مع أحزاب قومية متطرفة (مثل حزب “النصر” وحزب “الجيد”)، بهدف عزل الناخب الكردي عنه، حيث إن دفع أوزيل نحو خطاب قومي متشدد سيؤدي حتماً إلى خسارة دعم الناخبين الأكراد وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي، وهو ما تراه السلطة مفتاحاً لإضعاف أي جبهة معارضة موحدة.
- استهداف القيم الدينية
يرى صفاء أن محاولات أوزيل للتقرب من القاعدة المحافظة (عبر صور الصلاة والجمعة) هي رد فعل على تقارير استخباراتية تخطط لشن حملة تشويه ضده تتعلق بحياته الخساصة ونمط معيشته، لتصويره كشخص بعيد عن قيم المجتمع التركي.
المتغير الكردي وموقف أوجلان
يتطرق صفاء إلى ادعاءات “ألتان تان” حول احتمال دعم حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي لأردوغان في الدستور الجديد، مشيراً إلى أن الحزب بات يتحرك كأداة فعلية لـ عبد الله أوجلان. ويرى أن صلاح الدين دميرتاش، رغم مكانته، أقر بأن أوجلان هو المفاوض الأساسي، مما يفتح الباب أمام سيناريوهين: إما الدعم المباشر لأردوغان لضمان استمرار “عملية الحل”، أو طرح مرشح قوي لتفتيت أصوات المعارضة، وكلا الخيارين يصبان في مصلحة بقاء أردوغان في السلطة.

