لم تعد أزمة الصناديق الاستثمارية في تركيا مجرد اضطراب محدود داخل قطاع مالي. فقرار هيئة الأسواق المالية التركية، تصفية 131 صندوقاً تديرها سبع شركات لإدارة المحافظ، أطلق أزمة امتدت آثارها إلى سوق الأسهم وثقة المستثمرين، ثم وصلت إلى دوائر سياسية عليا.
ووفق بيانات الهيئة، يبلغ عدد المستثمرين الأفراد المتفردين المتأثرين نحو 455 ألفاً و758 مستثمراً، فيما تتجاوز قيمة الأصول المعنية عشرين مليار دولار وفق تقديرات حديثة، بينما قدرت تقارير سابقة حجمها بنحو 18 مليار دولار.
وفي سبتمبر/أيلول، تراجع مؤشر BIST 100 بنسبة 16.65 في المئة، في أسوأ أداء شهري له منذ عام 2008، ودخل عملياً منطقة السوق الهابطة بعد خسارته أكثر من خمس قيمته مقارنة بذروته في مايو/أيار. وأصابت موجة البيع قطاعات واسعة، فيما تكبدت أسهم الشركات الصغيرة والأقل سيولة خسائر أشد بكثير.
ويرى الكاتب الصحفي / والدبلوماسي التركي السابق عمر مراد، في مقاله بموقع “توركيش مينوت”، أن خطورة الأزمة لا تقاس فقط بقيمة الأموال المجمدة أو الخسائر المسجلة في البورصة، بل بما يمكن أن تتركه من أثر في سلوك الأسر والشركات والمستثمرين. فعندما تتعرض المدخرات لخسارة مفاجئة، قد يتراجع الاستهلاك والاستثمار، ويزداد الميل إلى الادخار الاحترازي، ويتراجع الاستعداد لتحمل المخاطر. ومن هذه الزاوية، يمكن لأزمة بدأت في عدد محدود من الصناديق أن تتحول إلى صدمة ثقة ذات أثر أوسع على النمو وسوق العمل.
كيف تحولت مشكلة السيولة إلى أزمة سوق؟
بدأت الأزمة مع صناديق استثمرت بكثافة في أسهم محدودة التداول، ثم واجهت طلبات متزايدة لاسترداد أموال المستثمرين. ومع صعوبة تسييل بعض الأصول، اضطرت الصناديق إلى بيع أسهم أكثر سيولة لتوفير السيولة اللازمة، ما ساهم في تسريع موجة الهبوط. وكانت شركتا تيرا بورتفوي وبوسولا بورتفوي في قلب التطورات، فيما أثارت بعض الصناديق عوائد استثنائية وتساؤلات حول تقييم الأصول والتداول في أسهم منخفضة التداول.
وتحوّل الأمر سريعاً إلى قضية تحقيقات جنائية تتعلق بشبهات التلاعب بالسوق والتداولات غير الاعتيادية وتحويلات مالية مرتبطة بـ26 سهماً. وبحلول نهاية سبتمبر/أيلول، أعلنت السلطات أن التحقيق شمل 217 مشتبهاً به، أودع 56 منهم السجن على ذمة المحاكمة، بينما يخضع 88 لإجراءات رقابية قضائية. ولا تزال التحقيقات مستمرة، مع اتخاذ إجراءات لاسترداد عائدات يُشتبه في أنها نتجت عن مخالفات مالية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الأزمة خرجت من نطاق إدارة المحافظ إلى ملف أوسع يتعلق بسلامة آليات التسعير والشفافية وحوكمة السوق.
الاستقالة التي نقلت الأزمة إلى قلب السلطة
كان التحول السياسي الأبرز استقالة فاطمة بتول سايان قايا، نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية، بعد اتهامات أثارتها المعارضة بشأن تعاملات في أسهم شركة أوزاتا دنيزيليك.
ووفق الاتهامات التي أعلنها المتحدث باسم حزب يني المعارض زينل إمره، استثمرت قايا وزوجها إلياس قايا نحو 163 مليون ليرة في الأسهم خلال أبريل/نيسان، ثم حصلا لاحقاً على نحو 2.17 مليار ليرة من بيعها. كما اتهمت قايا شخصياً بشراء أسهم بقيمة تقارب 63.4 مليون ليرة وبيعها لاحقاً بنحو 1.3 مليار ليرة.
لم تقدم قايا في بيان استقالتها رداً تفصيلياً على تلك الاتهامات، لكنها قالت إنها طلبت إعفاءها من مناصبها لتحمل المسؤولية السياسية وإتاحة المجال أمام التحقيق. وتظل هذه الأرقام والاتهامات جزءاً من ملف قيد التحقيق، وليست أحكاماً قضائية نهائية.
لكن المسألة اكتسبت بعداً سياسياً أكبر لأن التحقيق امتد إلى أشخاص مرتبطين بشخصيات بارزة في الحزب الحاكم. ومن بين التطورات اللافتة فرض قيود مؤقتة على أصول مصطفى يازجي، نجل القيادي المؤسس في حزب العدالة والتنمية حياتي يازجي، قبل رفع القيود بعد ساعات عقب تقييم إفادته والأدلة التي جُمعت. وبقي بحقه قرار بمنع السفر إلى الخارج.
وبحسب قراءة عمر مراد، هنا تكمن المعضلة السياسية الأساسية: كلما توسع التحقيق في تتبع حركة الأموال، زادت احتمالات وصوله إلى شبكات مالية مرتبطة بنفوذ سياسي؛ وكلما بدا أنه يتوقف قبل هذه الدوائر، ازدادت الأسئلة حول حدود المساءلة واستقلال المؤسسات.
الدولة تتحرك لتخفيف الصدمة… لكن من يدفع الفاتورة؟
أعلنت هيئة الأسواق المالية في الأول من أكتوبر/تشرين الأول آلية جديدة للدفعات المؤقتة للمستثمرين المتضررين. وسيحصل المستثمرون الذين اكتملت مطابقة حساباتهم على دفعة مقدمة تُخصم لاحقاً من مستحقاتهم النهائية عند انتهاء التصفية. ويصل الحد الأقصى إلى مليون ليرة لكل مستثمر في كل صندوق، بينما يحصل من تقل استثماراتهم الصافية عن هذا المبلغ على قيمتها الصافية كاملة كدفعة مؤقتة. وستبدأ العملية بصناديق أسواق المال.
كما أُنشئت حسابات لإعادة الأموال طوعاً أمام من يعتقدون أنهم حققوا أرباحاً مفرطة من بيع حصص في الصناديق قبل تصفيتها، مع وجود آليات منفصلة للأرباح المرتبطة بتداول الأسهم.
غير أن هذه الإجراءات لا تعني أن الدولة قدمت ضماناً شاملاً للخسائر. وهنا تظهر المسألة المالية الأكثر حساسية: ماذا يحدث إذا لم تكفِ قيمة الأصول المستردة والعائدات الناتجة عن التصفية لتعويض المستثمرين؟
يرى عمر مراد أن أي تعويض واسع من المال العام سيطرح سؤالاً جوهرياً حول المخاطر الأخلاقية: لماذا يتحمل دافع الضرائب خسائر ناجمة عن مخالفات محتملة في سوق استثمار خاص؟ وفي المقابل، فإن ترك المستثمرين أمام خسائر كبيرة قد يفاقم الغضب الشعبي، ويولد مطالب بأن يعامل المتضررون من انهيار السوق الأوسع بالطريقة نفسها.
وهكذا لا تبدو المشكلة مجرد فجوة مالية، بل احتمال نشوء التزام مالي مفتوح يصعب تحديد حجمه مسبقاً.
انتقال شركات مالية إلى مظلة الدولة
يزداد الملف تعقيداً مع التحركات المتعلقة بنقل حصص شركات كاتلم إيفيم، وبير إيفيم، وإكتصاد كاتليم بنك إلى بنك تركيا أملاك كاتليم المملوك للدولة.
وقد تقدمت أملاك كاتليم، في 30 سبتمبر/أيلول، بطلب إلى هيئة المنافسة بشأن عمليات النقل، فيما تستمر إجراءات الموافقات الأخرى أمام الجهات التنظيمية. وهذا يعني أن عمليات الاستحواذ لم تكتمل بعد.
وتثير هذه الخطوة سؤالاً اقتصادياً مهماً: ما الأصول والالتزامات التي ستنتقل فعلياً؟ وبأي قيمة؟ ومن سيتحمل المخاطر إذا تضمنت الصفقة أصولاً متعثرة أو التزامات لم تتضح قيمتها النهائية بعد؟
المستثمر الأجنبي يراقب… و«إم إس سي آي» يضع مهلة
لم تعد تداعيات الأزمة داخلية. فقد كشفت بيانات استثمارات الصندوق السيادي النرويجي أن لديه، حتى 30 يونيو/حزيران، نحو 208 ملايين دولار مستثمرة في أسهم عشر شركات تركية مرتبطة بالتحقيق، بما يعادل قرابة عشرة في المئة من إجمالي أسهمه التركية آنذاك. ولا يعني ذلك أن الصندوق متورط في القضية؛ بل يوضح حجم تعرض المستثمرين الدوليين للشركات الواقعة تحت الضغط.
الأكثر حساسية هو موقف مورغان ستانلي كابيتال إنترناشيونال. فقد قالت المؤسسة إن المستثمرين الدوليين يبدون مخاوف بشأن شفافية الملكية واحتمال وجود تداولات منسقة، وأشارت إلى ضرورة إحراز تقدم ملموس في الإفصاح عن الملكية المستفيدة، والرقابة على التداول، وتطبيق قواعد واضحة بشأن الأسهم ذات التداول المشوه. وإذا لم ترَ تقدماً موثوقاً بحلول مراجعة نوفمبر/تشرين الثاني 2026، فقد تبدأ مشاورات بشأن المعاملة المناسبة للسوق التركية وأوراقها المالية المؤهلة.
ولم تعلن مورغان ستانلي كابيتال إنترناشيونال، هي شركة مالية أميركية يقع مقرها الرئيسي في مدينة نيويورك، خفض تصنيف تركيا من سوق ناشئة. لكن مجرد انتقال الملف إلى مرحلة المراجعة يمثل إشارة مهمة للمستثمرين المؤسسيين وصناديق المؤشرات.
الأزمة الأكبر هي أزمة الثقة
بحسب قراءة عمر مراد، لا يواجه رجب طيب أردوغان قراراً بسيطاً يمكن حسمه بإعلان سياسي أو إجراءات مالية مؤقتة. فتح التحقيق على مصراعيه قد يقود إلى دوائر سياسية حساسة، بينما الحد من نطاقه قد يضر بصورة السوق واستقلال مؤسسات الرقابة. وتعويض المستثمرين من المال العام قد يفرض عبئاً مالياً وقانونياً واسعاً، بينما عدم تعويضهم يمكن أن يزيد فقدان الثقة.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي يمكن استردادها، وإنما بقدرة المؤسسات التركية على إظهار أن قواعد السوق تنطبق على الجميع، وأن التحقيقات تستطيع الوصول إلى المستفيد الفعلي من الأموال، أياً كان موقعه.
فأزمة الصناديق قد تكون بدأت كأزمة سيولة وتلاعب محتمل في مجموعة من الأسهم، لكنها باتت الآن اختباراً أوسع لثلاثة أمور مترابطة: مصداقية الرقابة المالية، حدود المسؤولية السياسية، وثقة المستثمرين المحليين والدوليين في السوق التركية. ومن دون وضوح مؤسسي في هذه الملفات، يبقى خطر انتقال الأزمة من قطاع مالي محدد إلى أزمة ثقة اقتصادية أوسع قائماً.

