بقلم: سليم نيازي أوغلو
تدخل المواجهة الأميركية–الإيرانية مرحلة أكثر توتراً، فيما تتسع رقعة الصراع من الخليج إلى البحر الأحمر، وتتداخل فيها الحسابات العسكرية مع أمن الطاقة والملاحة ومستقبل التوازنات الإقليمية.
في واشنطن، تتسارع الاستعدادات العسكرية بالتوازي مع تحركات سياسية مغلقة. فقد بدأت الولايات المتحدة دفع حاملة طائرات ثالثة إلى الشرق الأوسط، إلى جانب سفن حربية ووحدة من مشاة البحرية، في تعزيز يمكن أن يضيف ما بين تسعة وعشرة آلاف عسكري إلى الوجود الأميركي في المنطقة. وتأتي هذه الخطوة بينما يدرس الرئيس دونالد ترامب احتمال استئناف عمليات عسكرية واسعة ضد إيران بعد الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني.
وفي مؤشر سياسي موازٍ، عقد كبار مسؤولي الأمن القومي في إدارة ترامب اجتماعاً سرياً في كامب ديفيد برئاسة نائب الرئيس جيه. دي. فانس، خُصص لبحث الحرب مع إيران والتصعيد بين السعودية والحوثيين في اليمن. وشارك في الاجتماع وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والمبعوث ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين. ولم يعلن البيت الأبيض الاجتماع رسمياً، كما لم يكشف عن القرارات التي خرج بها.
تكمن أهمية الاجتماع في أنه جمع الدبلوماسية والاستخبارات والتخطيط العسكري في لحظة واحدة، بما يعكس اتساع الخيارات التي تراجعها واشنطن. والأهم أن الملف اليمني كان حاضراً إلى جانب الملف الإيراني، في إشارة إلى أن الإدارة الأميركية تتعامل مع الخليج والبحر الأحمر باعتبارهما مسرحاً أمنياً مترابطاً.
هرمز يتحول إلى مركز للصراع
في المقابل، تراجع طهران خياراتها تحسباً لاستئناف الضربات الأميركية، في وقت تتزايد فيه أهمية مضيق هرمز كأداة للضغط العسكري والتفاوضي.
وأفادت تقارير خلال الأسابيع الماضية بأن إيران استهدفت سفناً مرتبطة بالولايات المتحدة أو مصالح حليفة لها، بينما أعلنت طهران في حالات أخرى اعتراض أو إيقاف سفن في المضيق. كما أعلن الحرس الثوري الإيراني في سبتمبر/أيلول مسؤوليته عن استهداف ناقلات وسفن مرتبطة بالولايات المتحدة، في سياق مواجهة متبادلة شهدت استهداف ناقلات إيرانية أيضاً.
وفي أحدث حادث بحري، قالت عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ناقلة نفط تعرضت، في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، لإصابة بمقذوف مجهول قبالة ساحل عُمان، فيما بقي أفراد الطاقم بخير ولم تسجل مؤشرات على تلوث بيئي. ولم تحدد السلطات مصدر المقذوف أو الجهة المسؤولة عن الهجوم، وهو تمييز مهم وسط الاتهامات المتبادلة في المنطقة.
لكن أهمية الحادث لا تتوقف على هوية المنفذ. فاستمرار استهداف السفن في هرمز يرفع كلفة التأمين والنقل ويزيد علاوة المخاطر على النفط. وقد تجاوز خام برنت حاجز مئة دولار للبرميل في سبتمبر/أيلول مع اتساع المخاوف بشأن الإمدادات، بينما بدأت صادرات النفط عبر المضيق تعود تدريجياً إلى مستويات قريبة من فترة ما قبل الحرب، من دون أن يعني ذلك أن حركة الملاحة استعادت أمنها الطبيعي.
وهنا تكمن إحدى مفارقات الصراع: قد لا تحتاج إيران إلى إغلاق هرمز بالكامل كي تستخدمه ورقة ضغط. يكفي أن تبقى الملاحة معرضة للخطر حتى تتغير حسابات شركات الشحن وأسواق الطاقة.
من هرمز إلى باب المندب
إذا كان هرمز يمثل نقطة الضغط الشرقية على تجارة الطاقة، فإن باب المندب أصبح الجبهة الجنوبية المقابلة.
فمنذ يوليو/تموز الماضي، أعلن الحوثيون ما وصفوه بـ«حظر بحري» على السعودية، مهددين السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، ومبررين ذلك بما وصفوه بالحصار المفروض على المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
وتزامن الإعلان مع عودة الهجمات الصاروخية والمسيّرة على الأراضي السعودية. فقد أعلنت السلطات اعتراض صواريخ باتجاه خميس مشيط، فيما تسببت شظايا صاروخ باليستي اعترضته الدفاعات السعودية في إصابة شخص في أحد رفيدة بمنطقة عسير. كما تحدثت السلطات عن أضرار مادية لحقت بمنشأة تعليمية في نجران.
وتصاعدت المواجهة أكثر بعدما اتهم التحالف الذي تقوده السعودية الحوثيين بمهاجمة محطة كهرباء في المدينة المنورة تخدم المسجد النبوي. وقال التحالف إن الهجوم أدى إلى تعطيل محول واحد من دون التأثير في الخدمة العامة، بينما نفت جماعة الحوثي مسؤوليتها. وردت السعودية بضربات جوية على مواقع حوثية في اليمن.
هذه التطورات جعلت التصعيد الحالي الأكثر خطورة منذ الهدنة التي حدّت إلى حد كبير من الهجمات العابرة للحدود منذ عام 2022.
السعودية تستعد لهجوم واسع
لا تقف الرياض عند حدود الدفاع الجوي. فبحسب تقارير حديثة، تستعد السعودية، بالتنسيق مع القوات الحكومية اليمنية، لعملية عسكرية كبيرة تهدف إلى استعادة مناطق على ساحل البحر الأحمر ومواجهة سيطرة الحوثيين على ممرات استراتيجية، وفي مقدمتها باب المندب. وتشير التقديرات المتداولة إلى أن العملية قد تعتمد على أكثر من مئة ألف مقاتل يمني، بدعم جوي سعودي. وفي الوقت الراهن، تركز المساندة الأميركية على الاستخبارات وبيانات الاستهداف والدعم الدفاعي، من دون مشاركة قتالية مباشرة في العملية البرية.
هذا التحول مهم لأنه ينقل الرياض من احتواء الهجمات إلى التفكير في إعادة تشكيل ميزان القوة على الساحل الغربي لليمن. لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة، خصوصاً إذا أدى الهجوم إلى حرب طويلة أو فتح جبهة بحرية جديدة.
وفي موازاة الخيار العسكري، تتحرك وساطات سياسية. فقد أعلن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن السعودية وتركيا وباكستان ستعقد اجتماعاً طارئاً في الرياض لبحث مقترح إيراني لإشراك الحوثيين في مسار سياسي. ووفق الرواية الباكستانية، يأتي المقترح في إطار خفض التصعيد وليس باعتباره اتفاقاً نهائياً.
الحوثيون وإيران: تقاطع المصالح لا يلغي الحسابات المحلية
يرتبط الحوثيون بطهران بعلاقة دعم عسكري وسياسي واسعة، لكن اختزال كل خطوة حوثية في قرار إيراني مباشر قد يخفي جانباً مهماً من تعقيدات المشهد اليمني.
فالجامعة الحوثية تتحرك أيضاً وفق أهدافها المحلية: الضغط لرفع القيود المفروضة على المناطق الخاضعة لسيطرتها، تحسين موقعها التفاوضي، وتثبيت نفوذها على ساحل البحر الأحمر. وفي الوقت نفسه، تتقاطع هذه الأهداف مع المصلحة الإيرانية في إبقاء الضغط على السعودية والولايات المتحدة ورفع كلفة أي تصعيد ضد طهران.
لذلك تبدو الجبهة اليمنية اليوم جزءاً من شبكة أوسع، من دون أن تكون بالضرورة مجرد امتداد آلي للقرار الإيراني.
واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد
الوجود العسكري الأميركي المتزايد يمنح واشنطن خيارات أكبر، لكنه يرفع أيضاً حجم المخاطر. فحاملة طائرات إضافية وسفن المارينز والقوات المنتشرة في الخليج أهداف محتملة في حال اتخذت إيران قراراً بتوسيع الرد.
وفي المقابل، فإن التفاوض لا يزال متعثراً. ويرفض ترامب تقديم تنازلات لا يرى أنها تحقق أهداف واشنطن، بينما تطالب طهران بترتيبات ترفع الضغوط الاقتصادية والعسكرية عنها وتضمن حرية الملاحة. وقد رفض ترامب أحدث مقترح إيراني للتهدئة، مع إبقاء احتمال العودة إلى القصف مطروحاً.
لهذا تبدو واشنطن أمام معادلة مزدوجة: استخدام القوة لتحسين شروط التفاوض، أو التفاوض لتجنب كلفة القوة. وكلما طال الجمود، ارتفعت احتمالات أن يؤدي حادث واحد في هرمز أو اليمن إلى سلسلة من الردود يصعب ضبطها.
صراع الممرات… مفتاح الأزمة
المتغير الأهم في المشهد أن الحرب لم تعد محصورة في المنشآت العسكرية أو الحدود السياسية. فقد أصبحت الممرات البحرية نفسها جزءاً من المعركة.
هرمز يتحكم في شريان رئيسي لصادرات الطاقة الخليجية، وباب المندب يتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وقناة السويس. وبينهما تمر مصالح اقتصادية وعسكرية هائلة. لذلك فإن تهديد الملاحة، حتى من دون إغلاق رسمي للممرات، يستطيع التأثير في أسعار النفط والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد.
ومع عودة القتال في اليمن، وتعزيز الولايات المتحدة انتشارها، واستعداد إيران لرد محتمل، يصبح أي تصعيد محلي قابلاً للانتقال سريعاً إلى مستوى إقليمي.
المرحلة المقبلة، لذلك، لن تختبر فقط قدرة الأطراف على توجيه الضربات واعتراض الصواريخ، بل قدرتها على منع الحرب من التحول إلى شبكة جبهات مفتوحة. وبين حاملة طائرات ثالثة تتجه إلى الشرق الأوسط، واجتماع سري في كامب ديفيد، وتصاعد المخاطر في هرمز، واستعداد سعودي–يمني لتحرك واسع ضد الحوثيين، تبدو المنطقة أمام اختبار جديد للردع: هل يفرض توازن القوة طريقاً إلى التفاوض، أم يتحول الانتشار العسكري وتعدد الجبهات إلى الطريق الأقصر نحو مواجهة أوسع؟

